نُبَايِعُكَ،قَالَ:تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ،وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ،وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ،وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ،وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللهِ،لاَ تَخَافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ،وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي،فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ،وَأَزْوَاجَكُمْ،وَأَبْنَاءَكُمْ،وَلَكُمُ الْجَنَّةُ،قَالَ:فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ،وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ،وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ،فَقَالَ:رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ،فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الإِِبِلِ إِلاَّ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً،وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ،وَأَنَّ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ،فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ،وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللهِ،وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جَبِينَةً،فَبَيِّنُوا ذَلِكَ،فَهُوَ أَعْذَرَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ،قَالُوا:أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ،فَوَاللَّهِ لاَ نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا،وَلاَ نَسْلُبُهَا أَبَدًا،قَالَ:فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ،فَأَخَذَ عَلَيْنَا،وَشَرَطَ،وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ.رواه الإمام أحمد [1]
فقد كان الأنصار إذن يعلمون - عن يقين واضح - تكاليف هذه البيعة وكانوا يعلمون أنهم لم يوعدوا على هذه التكاليف شيئا في هذه الحياة الدنيا - حتى ولا النصر والغلبة - وأنهم لم يوعدوا عليها إلا الجنة ..ثم كان هذا مدى وعيهم بها ومدى حرصهم عليها ..فلا جرم أن يكونوا - مع السابقين من المهاجرين الذين بنوا هذا البناء وأعدوا هذا الإعداد - هم القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم أول العهد بالمدينة ..
ولكن مجتمع المدينة لم يظل بهذا الخلوص والنقاء ..لقد ظهر الإسلام وفشا في المدينة واضطر أفراد كثيرون - ومعظمهم من ذوي المكانة في قومهم - أن يجاروا قومهم احتفاظا بمكانتهم فيهم ..حتى إذا كانت وقعة بدر قال كبير هؤلاء عبد اللّه بن أبيّ بن سلول:هذا أمر قد توجه! وأظهر الإسلام نفاقا.ولا بد أن كثيرين قد جرفتهم الموجة فدخلوا في الإسلام تقليدا - ولو لم يكونوا منافقين - ولكنهم لم يكونوا بعد قد فقهوا في الإسلام ولا انطبعوا بطابعه ..مما أنشأ تخلخلا في بناء المجتمع المدني ناشئا عن اختلاف مستوياته الإيمانية.
وهنا أخذ المنهج القرآني التربوي الفريد،بقيادة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يعمل عمله في هذه العناصر الجديدة ويعمل كذلك على إعادة التناسق والتوافق بين المستويات العقدية والخلقية والسلوكية للعناصر المختلفة الداخلة في جسم المجتمع الوليد.
وحين نراجع السور المدنية - بترتيب النزول التقريبي - فإننا نطلع على الجهد الكبير الذي بذل في عملية الصهر الجديدة للعناصر المتنوعة في المجتمع المسلم وبخاصة أن هذه العناصر ظلت تتوارد على هذا المجتمع - على الرغم من وقفة قريش العنيدة وتأليبها لكل قبائل الجزيرة،ومن وقفة اليهود البشعة
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [5 /85] (14456) 14510 والمستدرك للحاكم مشكلا [4 /15] ( 4251) صحيح