وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ،مِنْ فِيهِ إِلَيَّ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا لَهُمْ بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَرَأَهُ،فَإِذَا فِيهِ"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى"ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا إبَاحَةُ ابْتِدَاءِ خِطَابِ الْمُشْرِكِينَ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،وَلَمَّا انْتَفَى هَذَانِ الْقَوْلَانِ الْآخَرَانِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْبَابِ سِوَاهُمَا وَسِوَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ثَبَتَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ،وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ" [1] ."
وهذه الرواية أقرب الروايات إلى تقديم تفسير مقبول لوضع السورتين هكذا،وعدم الفصل بينهما بسطر: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .كما أنها تفيدنا في تقرير أن وضع الآيات في السور،وترتيبها في مواضعها،كان يتم بأمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في حياته.وأن سورا متعددة كانت تظل مفتوحة في الوقت الواحد فإذا نزلت آية أو آيات في مناسبة واقعة تواجه واقعا قائما.أو تكمل حكما أو تعد له،وفق المنهج،الحركي الواقعي لهذا الدين،أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن توضع في موضعها من سورتها ..
وبذلك كانت هناك حكمة معينة في أن تتضمن كل سورة ما تضمنته من الآيات،وحكمة معينة كذلك في ترتيبها في مواضعها من السورة.
ولقد لاحظنا - كما أثبتنا ذلك مرارا في التعريف بالسور - أن هناك «شخصية» خاصة لكل سورة وسمات معينة تحدد ملامح هذه الشخصية.كما أن هناك جوا معينا وظلالا معينة.ثم تعبيرات بعينها في السورة الواحدة.تؤكد هذه الملامح،وتبرز تلك الشخصية! ولعل في الفقرة السابقة،وفي حديث ابن عباس قبلها،ما يفسر هذه الظاهرة الواضحة التي أثبتناها مرارا في التعريف بالسور في هذه الظلال.
والآن نكتفي بهذا القدر في التعريف المجمل بالسورة وننتقل إلى مواجهة النصوص القرآنية في سياقها.
..وعلى اللّه التوفيق ومنه التيسير ..
(1) - شرح مشكل الآثار [3 /403]
عمدتم:العمد:القصد إلى الشيء.
المثاني:جمع مثنى، وهي التي جاءت بعد الأولى.
السَّبعُ الطِّوَلُ:جمع طُولَى، فأما السبع المثاني الطول:فهي البقرة،وآل عمران، والمائدة، والأنعام، والأعراف، وبراءة.وسميت الأنفال من المثاني، لأنها تتلو الطول في القدر، وقيل:هي التي تزيد آياتها على المفصل وتنقص عن المئين، والمئين:هي السور التي تزيد كل واحدة منها على مائة آية.جامع الأصول في أحاديث الرسول [2 /150]