فهرس الكتاب

الصفحة 2141 من 4997

مِمَّنْ قَالَ:ابْتِدَاءُ الْأَجَلِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَانْقِضَاؤُهُ كَانَ وَاحِدًا .كَانَ ابْتِدَاؤُهُ يَوْمَ نَزَلَتْ بَرَاءَةُ،وَانْقِضَاؤُهُ انْقِضَاءُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ،وَذَلِكَ انْقِضَاءُ الْمُحَرَّمِ" [1] "

وهذه الأسباب القريبة المباشرة لا شك كان لها وزنها في اتخاذ الخطوة الأخيرة الحاسمة.ولكنها بدورها ليست إلا حلقات في السلسلة الطويلة الناشئة ابتداء من الحتمية الجذرية الكبيرة:وهي تعارض المنهجين أصلا،وعدم إمكان التعايش بينهما إلا فترات اضطرارية تنتهي حتما ..

وقد أراد المرحوم الشيخ رشيد رضا أن يلم بحلقات السلسلة منذ بدء الدعوة - وإن يكن لم يحاول أن يلم بأصل الاختلاف الجذري الدائم الذي ينشئ هذه السلسلة بحلقاتها والذي ينتهي بما انتهت إليه حتما - فقال في تفسير المنار [2] :"مِنَ الْمَشْهُورِ الْقَطْعِيِّ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا رَسُولَهُ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ بِالْإِسْلَامِ الَّذِي أَكْمَلَ بِهِ الدِّينَ،وَجَعَلَ آيَتَهُ الْكُبْرَى هَذَا الْقُرْآنَ الْمُعْجِزَ لِلْبَشَرِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ،ذَكَرْنَا كُلِّيَّاتِهَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ [2:23 ص159 - 191 ج 1 ط الْهَيْئَةِ] وَأَقَامَ بِنَاءَ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ عَلَى أَسَاسِ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ الْمُقْنِعَةِ وَالْمُلْزِمَةِ [3] ،وَمَنَعَ الْإِكْرَاهَ فِيهِ،وَالْحَمْلَ عَلَيْهِ بِالْقُوَّةِ كَمَا بَيَّنَاهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ [2:256 ص30 - 34 ج 3 ط الْهَيْئَةِ] ،فَقَاوَمَهُ الْمُشْرِكُونَ وَفَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّعْذِيبِ وَالِاضْطِهَادِ لِصَدِّهِمْ عَنْهُ،وَصَدُّوهُ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عَنْ تَبْلِيغِهِ لِلنَّاسِ بِالْقُوَّةِ،وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْقَتْلِ أَوِ التَّعْذِيبِ،إِلَّا بِتَأْمِينِ حِلْفٍ أَوْ قَرِيبٍ .فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ مِنْهُمُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ،ثُمَّ اشْتَدَّ إِيذَاؤُهُمْ لِلرَّسُولِ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حَتَّى ائْتَمَرُوا بِحَبْسِهِ الدَّائِمِ أَوْ نَفْيِهِ أَوْ قَتْلِهِ عَلَنًا فِي دَارِ النَّدْوَةِ،وَرَجَّحُوا فِي آخِرِ الْأَمْرِ قَتْلَهُ،فَأَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِالْهِجْرَةِ،كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا (8:30) [ص40 وَمَا بَعْدَهَا ج 9 ط الْهَيْئَةِ] فَهَاجَرَ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وَصَارَ يَتْبَعُهُ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى حَيْثُ وَجَدُوا مِنْ مُهَاجَرِهِمْ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَنْصَارًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ،وَيُؤْثِرُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ،وَكَانَتِ الْحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُشْرِكِي مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ حَالَ حَرْبٍ بِالطَّبْعِ،وَمُقْتَضَى الْعُرْفِ الْعَامِّ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ،وَعَاهَدَ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا عَلَى السَّلْمِ وَالتَّعَاوُنِ فَخَانُوا وَغَدَرُوا،وَنَقَضُوا عُهُودَهُمْ لَهُ مَا كَانُوا يُوَالُونَ الْمُشْرِكِينَ وَيُظَاهِرُونَهُمْ كُلَّمَا حَارَبُوهُ،كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ مِنْ هَذَا الْجُزْءِ ."

(1) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ >> سُورَةُ التَّوْبَةِ >> ( 15023 ) صحيح مقطوع

واضح من النص القرآني أنه أمهل ذوي العهود غير الناقضين إلى مدتهم.ولعل مجاهدا - رضي اللّه عنه - إنما عنى ذلك إجمالا ..السيد

(2) - تفسير المنار [10 /134]

(3) - لا بد أن ننبه هنا إلى منهج مدرسة الأستاذ الشيخ محمد عبده،المتأثرة بفلسفة غريبة عن الإسلام وهي فلسفة «ديكارت» مما جعلها تركز تركيزا شديدا على «العقل» وتعطيه أكثر من مجاله في مسائل العقيدة.فلا بد أن نضيف إلى البراهين العقلية والعلمية البراهين الفطرية البديهية كذلك في هذا الدين ومجاوبتها لكل الكينونة البشرية بما فيها العقل والذهن. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت