فهرس الكتاب

الصفحة 2163 من 4997

لما انتهى إلى الأمر بإنهاء حالة التعاقد على ذلك الوجه أخذ في هذه المجموعة الجديدة من الآيات يقرر - عن طريق الاستفهام الاستنكاري - أنه لا ينبغي ولا يجوز وليس من المستساغ أن يكون للمشركين عهد عند اللّه وعند رسوله.وهو استنكار للمبدأ في ذاته واستبعاد له من أساسه! بقوله تعالى: «كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ» .

ولما كان هذا الاستنكار في هذه المجموعة التالية في السياق للمجموعة الأولى،قد يفهم منه نسخ ما كان قد تقرر في المجموعة الأولى من إمهال ذوي العهود الموفين بعهودهم الذين لم ينقصوا المسلمين شيئا ولم يظاهروا عليهم أحدا إلى مدتهم ..فقد عاد يقرر هذا الحكم مرة أخرى بقوله: «إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ،إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» ..وجاءت في هذا التوكيد الجديد زيادة بيان ..إذ كان الأمر الأول مطلقا بالوفاء بعهود من استقاموا على عهودهم إلى مدتهم ..فجاء هذا التوكيد يقيد هذا الإطلاق بأن هذا الوفاء مرهون باستقامتهم في المستقبل إلى نهاية المدة كذلك كما استقاموا في الماضي.وهي دقة بالغة في صياغة النصوص في هذه العلاقات والمعاملات،وعدم الاكتفاء بالمفهومات الضمنية،وإتباعها بالمنطوقات القطعية.

ونظرا لما أسلفنا بيانه في مقدمات السورة ومقدمات هذا المقطع منها،من الظواهر والأعراض والاعتبار ات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يومئذ تجاه هذه الخطوة الحاسمة الخطيرة،فقد أخذ السياق يثير في نفوس المسلمين ما يدفع عنهم التردد والتحرج والتهيب،باطلاعهم على حقيقة حال المشركين ومشاعرهم ونواياهم تجاه المسلمين،وأنهم لا يرعون فيهم عهدا،ولا يتحرجون فيهم من شيء ولا يتذممون،وأنهم لا يفون بعهد،ولا يرتبطون بوعد وأنهم لا يكفون عن الاعتداء متى قدروا عليه.وأن لا سبيل لمهادنتهم أو ائتمانهم ما لم يدخلوا فيما دخل فيه المسلمون.

«كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ؟» ..

إن المشركين لا يدينون للّه بالعبودية خالصة،وهم كذلك لا يعترفون برسالة رسوله.فكيف يجوز أن يكون لهؤلاء عهد عند اللّه وعند رسوله؟ إنهم لا يواجهون بالإنكار والجحود عبدا مثلهم،ولا منهجا من مناهج العبيد من أمثالهم.إنما هم يواجهون بالجحود خالقهم ورازقهم وهم يحادون اللّه ورسوله بهذا الجحود ابتداء ..فكيف يجوز أن يكون لهم عهد عند اللّه وعند رسوله؟

هذه هي القضية التي يثيرها هذا السؤال الاستنكاري ..وهي قضية تنصب على مبدأ التعاهد ذاته لا على حالة معينة من حالاته ..

وقد يستشكل على هذا بأنه كانت للمشركين عهود فعلا وبعض هذه العهود أمر اللّه بالوفاء بها.وأنه قد وقعت عهود سابقة منذ قيام الدولة المسلمة في المدينة.عهود مع اليهود وعهود مع المشركين.وأنه وقع عهد الحديبية في السنة السادسة للهجرة.وأن النصوص القرآنية في سور سابقة كانت تجيز هذه العهود وإن كانت تجيز نبذها عند خوف الخيانة ..فإذا كان مبدأ التعاهد مع المشركين هو الذي يرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت