تسرع السير،وهو ينوه باسمه،عليه الصلاة والسلام،ويدعو المسلمين إلى الرجعة [ويقول] :"أين يا عباد الله؟ إليَّ أنا رسول الله"، [1] ويقول في تلك الحال:
أنا النبي لا كذب ...أنا ابن عبد المطلب ...
عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ . قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رضى الله عنهما - أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَفِرَّ ،إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً ،وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا ،فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ ،فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يَفِرَّ ،فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا ،وَالنَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « أَنَا النَّبِىُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ » [2] .
وثبت معه من أصحابه قريب من مائة،ومنهم من قال:ثمانون،فمنهم:أبو بكر،وعمر،رضي الله عنهما،والعباس وعلي،والفضل بن عباس،وأبو سفيان بن الحارث،وأيمن بن أم أيمن،وأسامة بن زيد،وغيرهم،رضي الله عنهم ثم أمر - صلى الله عليه وسلم - عمه العباس -وكان جهير الصوت -أن ينادي بأعلى صوته:يا أصحاب الشجرة -يعني شجرة بيعة الرضوان،التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها،على ألا يفروا عنه -فجعل ينادي بهم:يا أصحاب السمرة ويقول تارة:يا أصحاب سورة البقرة،فجعلوا يقولون:يا لبيك،يا لبيك،وانعطف الناس فجعلوا يتراجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع،لبس درعه،ثم انحدر عنه،وأرسله،ورجع بنفسه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .فلما رجعت شرذمة منهم،أمرهم عليه السلام أن يصدقوا الحملة،وأخذ قبضة من التراب بعدما دعا ربه واستنصره،وقال:"اللهم أنجز لي ما وعدتني"ثم رمى القوم بها،فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال،ثم انهزموا،فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون،وما تراجع بقية الناس إلا والأسارى مجدلة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . [3]
وعَنِ الزُّهْرِيِّ ،حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ،عَنْ أَبِيهِ ،قَالَ:شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ حُنَيْنٍ ،فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَا مَعَهُ إِلاَّ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ،فَلَزِمْنَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ نُفَارِقْهُ وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ وَرُبَّمَا قَالَ:بَيْضَاءَ ،أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ ،فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ ،وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ ،وَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرْكُضُ عَلَى بَغْلَتِهِ قِبَلَ الْكُفَّارِ ،قَالَ الْعَبَّاسُ:وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَكُفُّهَا وَهُوَ لاَ يَأْلُو يُسْرِعُ نَحْوَ الْمُشْرِكِينَ ،وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِغَرْزِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:يَا عَبَّاسُ ،نَادِ يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ ،وَكُنْتُ رَجُلًا صَيِّتًا ،وَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي:يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ ،فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /126]
(2) - صحيح البخارى- المكنز [10 /308] (2864 ) - زيادة مني
(3) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /125] ...