فهرس الكتاب

الصفحة 2217 من 4997

(قُلْتُ) .قَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ وَفِي (الْمَنَارِ) وَنُعِيدُهُ الْآنَ بِأُسْلُوبٍ آخَرَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ،فَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَحُجَّتُهُمْ عَلَيْنَا بِمَا قَالُوا إِلْزَامِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ فَلَا تَنْفَعُهُمْ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الطَّعْنِ فِي ثُبُوتِ كُتُبِهِمْ،وَهُمْ يَكْتَفُونَ مِنْ إِغْوَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِتَشْكِيكِهِمْ فِي دِينِهِمْ،ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا كَفَرُوا بِدِينِهِمْ يَسْهُلُ إِدْخَالُهُمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَلَوْ نِفَاقًا كَالْكَثِيرِ مِنْ أَهْلِهَا ; لِأَنَّهَا أَدْنَى إِلَى اسْتِبَاحَةِ جَمِيعِ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا:وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً (4:89) وَلَكِنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ لَا يَتِمُّ لَهُمْ عَلَيْنَا إِلَّا إِذَا أُخِذَتْ شَهَادَةُ الْقُرْآنِ عَلَى هَذِهِ الْكُتُبِ مَعَ شَهَادَتِهِ لَهَا،وَقَبُولِ حُكْمِهِ فِيهَا ; لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ مُهَيْمِنٌ رَقِيبٌ لَهُ السَّيْطَرَةُ عَلَيْهَا،إِذْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ:وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ (5:48) وَمِمَّا حَكَمَ بِهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَمِيعًا أَنَّهُمْ نَسُوا حَظًّا عَظِيمًا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ،وَأَنَّهُمْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ لَا الْكِتَابَ الْمُنَزَّلَ كُلَّهُ،وَأَنَّهُمْ مَعَ هَذَا حَرَّفُوهُ وَبَدَّلُوهُ،وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا كُلَّهُ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ النَّاطِقَةِ بِهِ،وَفِي الرَّدِّ عَلَى الْمُبَشِّرِينَ وَمَوَاضِعَ أُخْرَى مِنَ الْمَنَارِ .

وَأَمَّا الْمَلَاحِدَةُ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِنُصُوصِ التَّوَارِيخِ مَعَ دَلَائِلِ الْعَقْلِ عَلَى فَقْدِ تِلْكَ الْكُتُبِ،وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودِ مِنْهَا،فَجَوَابُنَا لَهُمْ أَنَّ حُكْمَ اللهِ وَرَسُولِهِ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قَرِيبٌ مِنْ حُكْمِهِمْ عَلَيْهَا مِنْ نَاحِيَةِ فَقْدِ الثِّقَةِ بِهَا،وَلَكِنْ فِي جُمْلَتِهَا لَا فِي كُلِّ جُمْلَةٍ مِنْهَا .فَحُكْمُهُ أَدَقُّ وَأَصَحُّ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ،مَعَ صَرْفِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا بِوَحْيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ .ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْيَهُودِ:يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ (5:13) مَعَ قَوْلِهِ:أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْمَعْقُولُ،فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَتَصَوَّرُ أَنْ تَنْسَى أُمَّةٌ كَبِيرَةٌ جَمِيعَ شَرِيعَتِهَا بِفَقْدِ نُسْخَةِ الْكِتَابِ الْمُدَوَّنَةِ فِيهِ،وَقَدْ عَمِلَتْ بِهِ فِي عِدَّةِ قُرُونٍ .وَكَذَا قَوْلُهُ إِنَّهُمْ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ،وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِالشَّوَاهِدِ الْكَثِيرَةِ مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ وَتَغْيِيرٍ وَتَبْدِيلٍ كَمَا بَيَّنَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (إِظْهَارِ الْحَقِّ) وَغَيْرِهِ .وَالْيَهُودُ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ عُزَيْرًا (عِزْرَا) كَتَبَ مَا كَتَبَ مِنَ الشَّرِيعَةِ بَعْدَ فَقْدِهَا بِاللُّغَةِ الْكَلْدَانِيَّةِ لَا بِلُغَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ،وَكَانَ يَضَعُ خُطُوطًا عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ،فَالْمَعْقُولُ أَنَّهُ كَتَبَ مَا ذَكَرَهُ وَتَذَكَّرَهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ دُونَ مَا نَسُوهُ،وَكَانَ مِنْهُ الصَّحِيحُ قَطْعًا،وَمِنْهُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ،وَمِنْهُ الْغَلَطُ،وَمِنْ ثَمَّ وُجِدَ التَّحْرِيفُ،وَلَا مَحَلَّ هُنَا لِلْإِتْيَانِ بِالشَّوَاهِدِ عَلَى هَذَا .

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا قَالَ النَّبِيُّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ:لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَ قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا (2:136) الْآيَةَ .رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ،وَسَبَبُهُ أَنَّ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ كَانَ قَدْ نَسَخَ شَيْئًا مِنَ التَّوْرَاةِ بِالْعَرَبِيَّةِ،وَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فَأَنْكَرَهُ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَ:لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا،وَأَنَّكُمْ إِمَّا أَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت