فهرس الكتاب

الصفحة 2227 من 4997

وَتَلَاهُمُ التُّرْكُ الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ،فَصَبَرُوا إِلَى أَنْ أَمْكَنَهُمْ جَمْعَ كَلِمَةِ دُوَلِ أُورُبَّةَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَمَالِكِ الشَّرْقِيَّةِ بِالدَّعَايَةِ إِلَى إِنْقَاذِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَهْدِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْهُمْ ،فَكَانَتِ الْحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ الْمَشْهُورَةُ فِي التَّارِيخِ بِفَظَائِعِهَا وَفُجُورِهَا وَمَفَاسِدِهَا وَفَوَاحِشِهَا وَمَطَامِعِهَا،الَّتِي اقْتُرِفَتْ بِاسْمِ الْمَسِيحِيَّةِ الطَّاهِرَةِ الْبَرِيئَةِ مِنْهُ وَمِنْ أَهْلِهَا .

كَانَ مِنْ تَمْهِيدِ رِجَالِ الْكَنِيسَةِ دُعَاةِ هَذِهِ الْحَرْبِ وَمُوقِدِي نَارِهَا أَنْ أَلَّفُوا كُتُبًا وَرَسَائِلَ كَثِيرَةً،وَزَوَّرُوا خُطَبًا بَلِيغَةً،وَنَظَمُوا أَنَاشِيدَ وَأَغَانِيَ مُهَيِّجَةً كُلَّهَا فِي الطَّعْنِ عَلَى الْإِسْلَامِ،وَتَشْوِيهِ سِيرَةِ الْمُسْلِمِينَ،لَمْ يُعْرَفْ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِ لَهَا نَظِيرٌ فِي الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ،وَقَلْبِ الْحَقَائِقِ،وَتَشْوِيهِ الْمَحَاسِنِ،وَمُحَاوَلَةِ جَعْلِ النُّورِ ظَلَامًا،وَالْحَقِّ بَاطِلًا،وَالْفَضِيلَةِ رَذِيلَةً،حَتَّى إِنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اطَّلَعُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَكْتَوْبَاتِ بَعْدَ تِلْكَ الْحُرُوبِ بِقَرْنٍ،أَدْهَشَهُمُ الْعَجَبُ مِنْ تِلْكَ الْأَبَاطِيلِ الْمُخْتَرَعَةِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى بَالٍ،وَلَمْ تَلُحْ لَهَا صُورَةٌ فِي خَيَالٍ،لِمُبَايَنَتِهَا لِلْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ،وَالْفُتُوحَاتِ الْعَرَبِيَّةِ،رَحْمَةً وَعَدْلًا،وَكَرَمًا وَفَضْلًا،وَشَرَفًا وَنُبْلًا،وَكَذَا مَا دُوْنَهَا مِنَ الْحُرُوبِ الْإِسْلَامِيَّةِ .

وَمِنْ غَرَائِبِ ذَلِكَ الْبُهْتَانِ الْمُشَوَّهِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا بَيْنَ دِينِ التَّوْحِيدِ الْمُطْلَقِ الْمُجَرَّدِ مِنْ جَمِيعِ أَوْهَامِ الْوَثَنِيَّةِ دِينَ وَثَنِيَّةٍ وَعِبَادَةِ أَصْنَامٍ - وَأَنَّهُمُ اخْتَلَقُوا لَهُ"ثَالُوثًا"وَأَصْنَامًا وَزَعَمُوا أَنَّ"مُحَمَّدًا نَفْسَهُ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ،وَاخْتَرَعُوا لَهُ مِنَ الْمَطَاعِنِ الْفَظِيعَةِ مَا تَعْجَزُ غَيْرُ تِلْكَ الْعُقُولِ الْمُظْلِمَةِ الْقَذِرَةِ عَنْ تَخَيُّلِهِ،وَيَتَنَزَّهُ كُلُّ ذِي وِجْدَانٍ بِشْرِيٍّ سَلِيمٍ عَنِ افْتِرَائِهِ،وَيَسْتَحِي غَيْرُ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنَ النُّطْقِ بِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ،وَمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلْمَامٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ فِي (كِتَابِ الْإِسْلَامُ .خَوَاطِرُ وَسَوَانِحُ) لِلْمُسْتَشْرِقِ الْفَرَنْسِيِّ (الْكُونْتِ هِنَرِي دِي كَاسْتِرِي) وَتَرْجَمَتُهُ الْعَرَبِيَّةُ لِأَحْمَد فَتْحِي بَاشَا زُغْلُول،وَحَسْبُهُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مِنْهُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَسْمَاءَ بَعْضِ تِلْكَ الْكُتُبِ الَّتِي لَفَّقُوهَا،وَالْأَنَاشِيدِ وَالْأَغَانِي الَّتِي نَظَمُوهَا فِيمَا ذَكَرَ،لِتَهْيِيجِ الْمَسِيحِيِّينَ عَلَى الزَّحْفِ مِنْ أُورُبَّةَ إِلَى الشَّرْقِ ; لِإِبَادَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْقَضَاءِ عَلَى دِينِهِمْ،وَكَانَتْ كُلُّ تِلْكَ الْمُفْتَرَيَاتِ الَّتِي تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ،وَيَكَادُ يَتَصَدَّعُ لِتَصَوُّرِهَا الْحَجَرُ الْجُلْمُودُ،تُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ وَالْإِذْعَانِ مِنْ جَمَاهِيرِ الشُّعُوبِ الْأُورُبِّيَّةِ لِصُدُورِهَا عَنْ رِجَالِ الْكَنِيسَةِ الْمَعْصُومَةِ عِنْدَهُمْ،وَلَا تَزَالُ سُمُومُهَا تَسْرِي فِي أَرْوَاحِ الْمَلَايِينِ مِنْ نَابِتَتِهِمْ بِمَا يَنْفُثُهُ فِيهَا الْقِسِّيسُونَ الْمُرَبُّونَ،وَمَا يَكْتُبُهُ وَيَنْشُرُهُ الْمُبَشِّرُونَ،كَمَا بَيَّنَهُ اللُّورْدُ هِدِلِي الْإِنْكِلِيزِيُّ - بَعْدَ إِسْلَامِهِ - فِي كِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ تُرْجِمَ بِالْعَرَبِيَّةِ،وَلَا نَزَالُ نَرَى فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ مُفْتَرَيَاتِهِمْ بِمِصْرَ وَغَيْرِهَا مَا نَجْزِمُ بِأَنَّ الَّذِينَ يُدَوِّنُونَهُ فِي الْكُتُبِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ،وَنَسْتَدِلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَدِينُونَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ نَفْسِهَا ; لِاسْتِحَالَةِ إِبَاحَتِهَا لِلْكَذِبِ الَّذِي هُوَ شَرُّ الرَّذَائِلِ كُلِّهَا ."

زَحَفَتِ الشُّعُوبُ الْأُورُبِّيَّةُ عَلَى سُورِيَةَ وَفِلَسْطِينَ وَمِصْرَ لِإِبَادَةِ الْمُسْلِمِينَ،وَاقْتَرَفُوا فِيهَا بِاسْمِ الْمَسِيحِ مِثَالِ الْكَمَالِ وَالطَّهَارَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالزُّهْدِ وَالرَّحْمَةِ مِنَ النَّقَائِصِ وَالْأَرْجَاسِ وَالرَّذَائِلِ وَالْأَطْمَاعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت