فهرس الكتاب

الصفحة 2232 من 4997

فِيهِ مُنْذُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً،إِذْ أَنْشَأْنَا جَمْعِيَّةَ الدَّعْوَةِ وَالْإِرْشَادِ،وَمَدْرَسَةَ الدَّعْوَةِ وَالْإِرْشَادِ لَهَا،وَكُنَّا قَدْ وُفِّقْنَا لِتَقْرِيرِ وِزَارَةِ الْأَوْقَافِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِمِصْرَ لِلنَّفَقَةِ عَلَى الْمَدْرَسَةِ،وَلَكِنَّ الدَّسَائِسَ الْأَجْنَبِيَّةَ فَازَتْ بِحَمْلِ وِزَارَةِ الْأَوْقَافِ عَلَى إِلْغَاءِ هَذِهِ الْإِعَانَةِ فِي زَمَنِ الْحَرْبِ الْكُبْرَى،وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْأَغْنِيَاءِ السُّفَهَاءِ،وَلَا مِنْ أُمَرَائِهِمُ الْمُسْرِفِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ مَنْ يَقُومُ بِهَا،وَنَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى أَنْ لَاحَ فِي مَهْدِ الْإِسْلَامِ نُورٌ جَدِيدٌ لِإِحْيَاءِ هَذَا الدِّينِ هُوَ الْآنَ مَحْمَلُ الرَّجَاءِ لِجَمِيعِ عُقَلَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُصْلِحِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (38:88) [1] .

ومن هذا العرض المجمل المفيد،يتبين أن جميع الطوائف والمذاهب المسيحية الكنسية لا تدين دين الحق،الذي يقوم على توحيد اللّه سبحانه وعلى أنه ليس كمثله شيء وأنه لا ينبثق منه - سبحانه - أحد! وكثيرا ما ذكر «الأريوسيون» على أنهم «موحدون» وإطلاق اللفظ هكذا مضلل فالآريوسيون لا يوحدون التوحيد المفهوم من دين اللّه الحق،إنما هم يخلطون! فبينما هم يقررون أن المسيح ليس أزليا كاللّه - وهذا حق - - يقررون في الوقت نفسه أنه (الابن) ! وأنه مخلوق من (الأب) قبل خلق العالم! وهذا لا يعتبر من «التوحيد» الحقيقي في شيء! ولقد صدر حكم اللّه بالكفر الصريح على من يقولون:المسيح ابن اللّه.وعلى من يقولون:المسيح هو اللّه.

وعلى من يقولون:إن اللّه ثالث ثلاثة.ولا تجتمع صفة الكفر وصفة الإيمان في عقيدة،ولا في قلب.إنما هما أمران مختلفان! والتعقيب القرآني على قول اليهود: «عزير ابن اللّه» .وقول النصارى: «المسيح ابن اللّه» يثبت أنهم في هذا يماثلون قول الذين كفروا من قبل ومعتقداتهم وتصوراتهم:

«ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ،يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ» ..

فهو أولا يثبت أن هذا القول صادر منهم،وليس مقولا عنهم.ومن ثم يذكر «أفواههم» لاستحضار الصورة الحسية الواقعية - على طريقة القرآن في التصوير - إذ أنه مفهوم أن قولهم يكون بأفواههم.فهذه الزيادة ليست لغوا - تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا - وليست إطنابا زائدا،إنما هي طريقة التعبير القرآنية التصويرية فهي التي تستحضر «صورة» القول،وتحيلها واقعية كأنها مسموعة مرئية! وذلك فضلا على ما تؤديه من معنى بياني آخر - إلى جانب استحياء الصورة وإثباتها - وهو أن هذا القول لا حقيقة له في عالم الواقع إنما هو مجرد قول بالأفواه،ليس وراءه موضوع ولا حقيقة!

ثم نجيء إلى ناحية أخرى من الإعجاز القرآني الدال على مصدره الرباني.ذلك قول اللّه سبحانه: «يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ» .

ولقد كان المفسرون يقولون عن هذه الآية:إن المقصود بها أن قولتهم ببنوة أحد للّه،تماثل قول المشركين العرب ببنوة الملائكة للّه ..وهذا صحيح ..ولكن دلالة هذا النص القرآني أبعد مدى.ولم

(1) - تفسير المنار [10 /283-317] كاملا وذكره السيد رحمه الله مختصرا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت