فهرس الكتاب

الصفحة 2237 من 4997

وهذا التقرير - وإن كان يراد به استجاشة قلوب المسلمين إذ ذاك - هو كذلك يصور طبيعة الموقف الدائم لأهل الكتاب من نور اللّه المتمثل في دينه الحق الذي يهدي الناس بنور اللّه.

«وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» ..وهو الوعد الحق من اللّه،الدال على سنته التي لا تتبدل،في إتمام نوره بإظهار دينه ولو كره الكافرون ..

وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا فيدفعهم هذا إلى المضي في الطريق على المشقة واللأواء في الطريق وعلى الكيد والحرب من الكافرين (والمراد بهم هنا هم أهل الكتاب السابق ذكرهم) ..كما أنه يتضمن في ثناياه الوعيد لهؤلاء الكافرين وأمثالهم على مدار الزمان! ويزيد السياق هذا الوعيد وذلك الوعد توكيدا: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ،وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» ..

وفي هذا النص يتبين أن المراد بدين الحق الذي سبق في قوله تعالى: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» ..هو هذا الدين الذي أرسل اللّه به رسوله الأخير.وأن الذين لا يدينون بهذا الدين هم الذين يشملهم الأمر بالقتال ..

وهذا صحيح على أي وجه أوّلنا الآية.فالمقصود إجمالا بدين الحق هو الدينونة للّه وحده في الاعتقاد والشعائر والشرائع - وهذه هي قاعدة دين اللّه كله،وهو الدين الممثل أخيرا فيما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فأيما شخص أو قوم لم يدينوا للّه وحده في الاعتقاد والشعائر والشرائع مجتمعة انطبق عليهم أنهم لا يدينون دين الحق،ودخلوا في مدلول آية القتال ..مع مراعاة طبيعة المنهج الحركي للإسلام،ومراحله المتعددة،ووسائله المتجددة كما قلنا مرارا.

«هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ،وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» ..

وهذا توكيد لوعد اللّه الأول: «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» ..ولكن في صورة أكثر تحديدا.فنور اللّه الذي قرر سبحانه أن يتمه،هو دين الحق الذي أرسل به رسوله ليظهره على الدين كله.

ودين الحق - كما أسلفنا - هو الدينونة للّه وحده في الاعتقاد والعبادة والتشريع مجتمعة.وهو متمثل في كل دين سماوي جاء به رسول من قبل ..ولا يدخل فيه طبعا تلك الديانات المحرفة المشوهة المشوبة بالوثنيات في الاعتقاد التي عليها اليهود والنصارى اليوم.كما لا تدخل فيه الأنظمة والأوضاع التي ترفع لافتة الدين،وهي تقيم في الأرض أربابا يعبدها الناس من دون اللّه،في صورة الاتباع للشرائع التي لم ينزلها اللّه.

واللّه سبحانه يقول:إنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ..ويجب أن نفهم «الدين» بمدلوله الواسع الذي بيناه،لندرك أبعاد هذا الوعد الإلهي ومداه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت