تعرفهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان،فما هي قلة عارضة،إنما هي النموذج المكرور.وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة،وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب،واجتنبوا أداء الثمن الغالي،فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص!
«وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ» ..فهو الكذب المصاحب للضعف أبدا.وما يكذب إلا الضعفاء.أجل ما يكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين.فالقوي يواجه والضعيف يداور.وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام
«يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ» ..بهذا الحلف وبهذا الكذب،الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس , واللّه يعلم الحق , ويكشفه للناس , فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه , ويهلك في الآخرة يوم لا يجدي النكران .
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) } [التوبة:43] ...
إنه لطف اللّه برسوله , فهو يعجل له بالعفو قبل العتاب .فلقد توارى المتخلفون خلف إذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بالقعود حين قدموا له المعاذير .وقبل أن ينكشف صدقهم من كذبهم في هذه المعاذير .وكانوا سيتخلفون عن الركب حتى ولو لم يأذن لهم .فعندئذ تتكشف حقيقتهم , ويسقط عنهم ثوب النفاق , ويظهرون للناس على طبيعتهم , ولا يتوارون خلف إذن الرسول .
وإذا لم يكن ذلك فإن القرآن يتولى كشفهم , ويقرر القواعد التي يمتاز بها المؤمنون والمنافقون
{لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) } [التوبة:44 - 45] .
وهذه هي القاعدة التي لا تخطئ .فالذين يؤمنون باللّه , ويعتقدون بيوم الجزاء , لا ينتظرون أن يؤذن لهم في أداء فريضة الجهاد ; ولا يتلكأون في تلبية داعي النفرة في سبيل اللّه بالأموال والأرواح بل يسارعون إليها خفافا وثقالا كما أمرهم اللّه،طاعة لأمره،ويقينا بلقائه،وثقة بجزائه،وابتغاء لرضاه.وإنهم ليتطوعون تطوعا فلا يحتاجون إلى من يستحثهم،فضلا عن الإذن لهم.إنما يستأذن أولئك الذين خلت قلوبهم من اليقين فهم يتلكأون ويتلمسون المعاذير،لعل عائقا من العوائق يحول بينهم وبين النهوض بتكاليف العقيدة التي يتظاهرون بها،وهم يرتابون فيها ويترددون.
إن الطريق إلى اللّه واضحة مستقيمة،فما يتردد ويتلكأ إلا الذي لا يعرف الطريق،أو الذي يعرفها ويتنكبها اتقاء لمتاعب الطريق! ولقد كان أولئك المتخلفون ذوي قدرة على الخروج،لديهم وسائله،وعندهم عدته: «وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً» ..
وقد كان فيهم عبد اللّه بن أبي سلول،وكان فيهم الجد بن قيس،وكانوا أشرافا في قومهم أثرياء.