والله،يا عدو الله،لأخبرنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قلتَ ! فأتيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ،وخشيت أن ينزل فيَّ القرآن،أو تصيبني قارعة،أو أن أخْلَط [بخطيئته] ،قلت:يا رسول الله،أقبلت أنا والجلاس من قباء،فقال كذا وكذا،ولولا مخافة أن أُخْلَط بخطيئته،أو تصيبني قارعة،ما أخبرتك.قال:فدعا الجلاس فقال له:يا جلاس،أقلت الذي قال مصعب؟ قال:فحلف،فأنزل الله تبارك وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) ،الآية [1] .
ولكن هذه الروايات لا تنسجم مع عبارة: «وهموا بما لم ينالوا» [2] وهذه تضافر الروايات على أن المعنيّ بها ما أراده جماعة من المنافقين في أثناء العودة من الغزوة،من قتل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - غيلة وهو عائد من تبوك.فنختار إحداها:
روى الإمام أحمد - رحمه اللّه - عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ،قَالَ:لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى:إِنَّ رَسُولَ اللهِ أَخَذَ الْعَقَبَةَ،فَلاَ يَأْخُذْهَا أَحَدٌ،فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ وَيَسُوقُ بِهِ عَمَّارٌ إِذْ أَقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ،غَشَوْا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَأَقْبَلَ عَمَّارٌ يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّوَاحِلِ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِحُذَيْفَةَ:قُدْ،قُدْ،حَتَّى هَبَطَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَلَمَّا هَبَطَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَزَلَ وَرَجَعَ عَمَّارٌ،فَقَالَ:يَا عَمَّارُ،هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ ؟ فَقَالَ:قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّوَاحِلِ وَالْقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ قَالَ:هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا ؟ قَالَ:اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،قَالَ:أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَيَطْرَحُوهُ , قَالَ:فَسَأَلَ عَمَّارٌ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ،كَمْ تَعْلَمُ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ فَقَالَ:أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَقَالَ:إِنْ كُنْتَ فِيهِمْ فَقَدْ كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ،فَعَذَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُمْ ثَلاَثَةً قَالُوا:وَاللَّهِ مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللهِ،وَمَا عَلِمْنَا مَا أَرَادَ الْقَوْمُ،فَقَالَ عَمَّارٌ:أَشْهَدُ أَنَّ الاِثْنَيْ عَشَرَ الْبَاقِينَ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا،وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ.
قَالَ الْوَلِيدُ:وَذَكَرَ أَبُو الطُّفَيْلِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِلنَّاسِ:وَذُكِرَ لَهُ:أَنَّ فِي الْمَاءِ قِلَّةً فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُنَادِيًا فَنَادَى:أَنْ لاَ يَرِدَ الْمَاءَ أَحَدٌ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ فَوَرَدَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوَجَدَ رَهْطًا قَدْ وَرَدُوهُ قَبْلَهُ،فَلَعَنَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَئِذٍ. [3] .
هذه الحادثة تكشف عن دخيلة القوم.وسواء كانت هي أو شيء مثلها هو الذي تعنيه الآية،فإنه ليبدو عجيبا أن تنطوي صدور القوم على مثل هذه الخيانة.والنص يعجب هنا منهم: «وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ» ..فما من سيئة قدمها الإسلام لهم ينقمون عليه هذه النقمة من أجلها ..اللهم إلا أن يكون الغنى الذي غمرهم بعد الإسلام،والرخاء الذي أصابهم بسببه هو ما ينقمون! ثم
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [14 /362] (16968) صحيح مرسل
(2) - قلت:تعدد النزول ممكن ،فلا تنافي بين هذه الروايات- علي
(3) - مسند أحمد (عالم الكتب) [7 /853] (( 23792) 24202) وتفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /181] صحيح - العقبة:مرتفع في الطريق ضيق.