ومواجهة الخطر تستثير كوامن النفس وطاقات العقل،وتشد العضل،وتكشف عن الاستعدادات المخبوءة التي تنتفض عند الحاجة،وتدرب الطاقات البشرية على العمل وتشحذها للتلبية والاستجابة ..وكل أولئك ألوان من العلم والمعرفة والتفتح يحرمها طلاب الراحة البليدة والسلامة الذليلة.
ويمضي السياق يصف حال هؤلاء الأغنياء القادرين الذين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ..
إن وراء حب الدعة وإيثار السلامة،سقوط الهمة،وذلة النفس،وانحناء الهامة،والتهرب من المواجهة والمصارحة: «يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ» ..
وهذا من إنباء اللّه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين الخلص بما سيكون من أمر هؤلاء المتخلفين من المنافقين بعد الرجوع من الغزوة.مما يدل على أن هذه الآيات نزلت في أثناء العودة وقبل الوصول إلى المدينة.
يعتذرون إليكم عن تخلفهم وقعودهم،ذلك أنهم يخجلون من الظهور بفعلتهم هذه عارية،ومن الكشف عن أسبابها الحقيقية وهي ضعف الإيمان،وإيثار السلامة،والإشفاق من الجهاد! «قُلْ:لا تَعْتَذِرُوا.لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ.قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ» ! قل:وفروا عليكم معاذيركم.فلن نطمئن إليكم،ولن نصدقكم،ولن نأخذ بظاهر إسلامكم كما كنا نفعل.ذلك أن اللّه قد كشف لنا حقيقتكم،وما تنطوي عليه صدوركم وقص علينا دوافع أعمالكم وحدثنا عن حالكم،فلم تعد مستورة لا نرى إلا ظاهرها كما كنا من قبل معكم.
والتعبير عن عدم التصديق والثقة والائتمان والاطمئنان بقوله تعالى: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ» ذو دلالة خاصة.
فالإيمان تصديق وثقة وائتمان واطمئنان.تصديق بالقول وائتمان بالعقل واطمئنان بالقلب،وثقة من المؤمن بربه،وثقة متبادلة بينه وبين المؤمنين معه.وللتعبير القرآني دائما دلالته وإيحاؤه.
قل:لا تعتذروا.فلا جدوى للقول ولا معول على الكلام.ولكن اعملوا فإن صدق عملكم ما تقولون فذاك،وإلا فلا ثقة بالقول ولا ائتمان ولا اطمئنان: «وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ» ..
واللّه لا تخفى عليه الأعمال ولا النوايا المخبوءة وراءها ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - سيزن قولكم بعملكم.وعلى أساسه سيكون التعامل معكم في المجتمع المسلم.
ولن ينتهي الأمر - على كل حال - بما يجري في هذه الأرض في فترة الحياة الدنيا.فوراء ذلك حساب وجزاء،يقومان على علم اللّه المطلق بالظواهر والسرائر: «ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..
والغيب ما غاب عن الناس علمه،والشهادة ما يشهدونه ويعرفونه.واللّه سبحانه عالم الغيب والشهادة بهذا المعنى.وبمعنى أشمل وأكبر.فهو سبحانه يعلم ما في هذا العالم المشهود ويعلم ما وراءه من العوالم المغيبة ..
وفي قوله تعالى لأولئك المخاطبين: «فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..إيماءة مقصودة.فهم يعلمون ما كانوا يعملون.ولكن اللّه - سبحانه - أعلم منهم بها حتى لينبئهم هو بها! وكم من دافع خفي للعمل يخفى