العبودية للّه هو أسمى مقام يدعى إليه بشر ويدعى به كذلك. وهو ثانيا تقرير لمعنى العبودية،في مقام دعوة الناس كافة إلى عبادة ربهم وحده،واطراح الأنداد كلها من دونه. فها هو ذا النبي في مقام الوحي - وهو أعلى مقام - يدعى بالعبودية للّه،ويشرف بهذه النسبة في هذا المقام.
أما التحدي فمنظور فيه إلى مطلع السورة .. فهذا الكتاب المنزل مصوغ من تلك الحروف التي في أيديهم،فإن كانوا يرتابون في تنزيله،فدونهم فليأتوا بسورة من مثله وليدعوا من يشهد لهم بهذا - من دون اللّه - فاللّه قد شهد لعبده بالصدق في دعواه." [1] "
وقال رحمه الله:"ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة.أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشئ أمة،ويربيها،ويعدها لقيادة البشرية.وكان اللّه يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة،أن تربى بالشورى وأن تدرب على حمل التبعة،وأن تخطئ - مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج مريرة - لتعرف كيف تصحح خطأها،وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها.فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ .."
والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المدركة المقدرة للتبعة.واختصار الأخطاء والعثرات والخسائر في حياة الأمة ليس فيها شيء من الكسب لها،إذا كانت نتيجته أن تظل هذه الأمة قاصرة كالطفل تحت الوصاية.إنها في هذه الحالة تتقي خسائر مادية وتحقق مكاسب مادية.ولكنها تخسر نفسها،وتخسر وجودها،وتخسر تربيتها،وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية.كالطفل الذي يمنع من مزاولة المشي - مثلا - لتوفير العثرات والخبطات،أو توفير الحذاء! كان الإسلام ينشئ أمة ويربيها،ويعدها للقيادة الراشدة.فلم يكن بد أن يحقق لهذه الأمة رشدها،ويرفع عنها الوصاية في حركات حياتها العملية الواقعية،كي تدرب عليها في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبإشرافه.ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى،ويمنع تدريب الأمة عليها تدريبا عمليا واقعيا في أخطر الشؤون - كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة المسلمة نهائيا،وهي أمة ناشئة تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب - ويحل للقيادة أن تستقل بالأمر وله كل هذه الخطورة - لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشؤون،لكان وجود محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعه الوحي من اللّه سبحانه وتعالى - كافيا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى! - وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها في ضلل الملابسات الخطيرة لنشأة الأمة المسلمية.ولكن وجود محمد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ومعه الوحي الإلهي ووقوع تلك الأحداث،ووجود تلك الملابسات،لم يلغ هذا الحق.لأن اللّه - سبحانه - يعلم أن لا بد من مزاولته في أخطر الشؤون،ومهما تكن النتائج،ومهما
(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [1 /48]