فهرس الكتاب
الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ،وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ،وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا.إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».
وتوبة اللّه على النبي - صلى الله عليه وسلم - تفهم بالرجوع إلى ما كان في أحداث الغزوة بجملتها والظاهر أنها متعلقة بما سبق أن قال اللّه عنه لنبيه: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ.لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ» ..ذلك حين استأذنه جماعة من أولي الطول بأعذار منتحلة فأذن لهم،وقد عفا اللّه عنه في اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - مع تنبيهه إلى أن الأولى كان هو التريث حتى يتبين الصادقين في أعذارهم من الكاذبين المتمحلين! وتوبته على المهاجرين والأنصار يشير النص الذي بين أيدينا إلى ملابساتها في قوله تعالى: «الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ» ..وقد كان بعضهم تثاقل في الخروج ثم لحق بالركب كما سنفصل - وهم من خلص المؤمنين - وبعضهم استمع للمنافقين المرجفين بهول لقاء الروم! ثم ثبت اللّه قلبه ومضى بعد تردد.
ويحسن أن نستعرض بعض ظروف الغزوة وملابساتها لنعيش في جوها الذي يقرر اللّه - سبحانه - أنه كان «ساعة العسرة» .ولندرك طبيعة الانفعالات والحركات التي صاحبتها (ونحن نلخص في هذا من السيرة لابن هشام،ومن إمتاع الأسماع للمقريزي،ومن البداية والنهاية لابن كثير،ومن تفسير ابن كثير) :
لما نزل قوله تعالى: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ،وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ،وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ،حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ...» أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم (ويلاحظ أن الاشتباك بالروم كان قد سبق نزول هذه الآيات في غزوة مؤتة فهذا الأمر الأخير إنما جاء تقريرا للخطة الدائمة المستقرة في آخر ما نزل من القرآن) وذلك في زمن عسرة من الناس،وشدة من الحر،وجدب من البلاء،وحين طابت الثمار،والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم،ويكرهون الشخوص على الحال والزمان الذي هم عليه.وكان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها،وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له (أي يقصد إليه) إلا ما كان من غزوة تبوك،فإنه بينها للناس،لبعد الشقة،وشدة الزمان،وكثرة العدو الذي يصمد له،ليتأهب الناس لذلك أهبته.فأمر الناس بالجهاز،وأخبرهم أنه يريد الروم.
واستأذن بعض المنافقين رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في التخلف مخافة الفتنة ببنات الروم! فأذن! وفي هذا نزل عتاب اللّه لنبيه في الإذن مصدرا بالعفو عنه في اجتهاده: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ؟» ..