و «ثم» هنا ليست للتراخي الزماني،إنما هي للبعد المعنوي.فالزمان في هذا المقام لا ظل له.وليست هناك حالة ولا هيئة لم تكن للّه - سبحانه - ثم كانت.فهو - سبحانه - منزه عن الحدوث وما يتعلق به من الزمان والمكان.لذلك نجزم بأن «ثم» هنا للبعد المعنوي،ونحن آمنون من أننا لم نتجاوز المنطقة المأمونة التي يحق فيها للعقل البشري أن يحكم ويجزم.لأننا نستند إلى قاعدة كلية في تنزيه اللّه سبحانه عن تعاقب الهيئات والحالات،وعن مقتضيات الزمان والمكان.
«يُدَبِّرُ الْأَمْرَ» ..ويقدر أوائله وأواخره،وينسق أحواله ومقتضياته،ويرتب مقدماته ونتائجه،ويختار الناموس الذي يحكم خطواته وأطواره ومصائره.
« ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ» ..فالأمر كله له،والحكم كله إليه.وما من شفعاء يقربون إلى اللّه زلفى.وما من شفيع من خلقه إلا حيث يأذن له بالشفاعة،وفقا لتدبيره وتقديره،واستحقاق الشفاعة بالإيمان والعمل الصالح،لا بمجرد التوسل بالشفعاء ..وهذا يواجه ما كانوا يعتقدونه من أن للملائكة التي يعبدون تماثيلها شفاعة لا ترد عند اللّه! ذلكم اللّه الخالق المدبر الحاكم الذي لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه .. «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ» ..الخليق بالربوبية «فَاعْبُدُوهُ» فهو الذي يستحق الدينونة له دون سواه