ولتوكيد معنى العبادة المقصود جاء في السورة ذاتها قوله تعالى: «قُلْ:أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا.قُلْ:آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ؟» ..
وما نحن فيه اليوم لا يفترق في شيء عما كان عليه أهل الجاهلية هؤلاء الذين يناديهم اللّه بقوله: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ.أَفَلا تَذَكَّرُونَ!» ..اعبدوه ولا تشركوا به شيئا.فإن مرجعكم إليه،وحسابكم عنده،وهو يجزي المؤمنين والكافرين: «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا» ..
إليه وحده لا للشركاء والشفعاء.
وقد وعد فلا خلف ولا تخلف،فالبعث هو تتمة الخلق: «إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ،وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ» ..فالعدل في الجزاء غاية من غايات الخلق والإعادة: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ ...» .
والنعيم بلا منغصات وبدون عقابيل تعقب اللذة غاية من غايات الخلق والإعادة.إنها قمة الكمال البشري الذي يمكن أن تصل إليه البشرية.والبشرية لا تصل إلى شيء من هذا في هذه الأرض وفي هذه الحياة الدنيا المشوبة بالقلق والكدر،والتي لا تخلو فيها لذة من غصة،أو من عقابيل تعقبها - إلا لذائذ الروح الخالصة وهذه قلما تخلص لبشر - ولو لم يكن في هذه الحياة الدنيا إلا الشعور بنهاية نعيمها لكان هذا وحده ناقصا منها وحائلا دون كمالها.فالبشرية لا تصل في هذه الأرض إلى أعلى الدرجات المقدرة لها،وهي التخلص من النقص والضعف ومعقباتهما،والاستمتاع بلا كدر ولا خوف من الفوت ولا قلق من الانتهاء ..وهذا كله تبلغه في الجنة كما وصف القرآن نعيمها الكامل الشامل.فلا جرم يكون من غاية الخلق والإعادة إبلاغ المهتدين من البشرية،الذين اتبعوا سنة الحياة الصحيحة وناموس الحياة القويم،إلى أعلى مراتب البشرية.
فأما الذين كفروا فقد خالفوا عن الناموس،فلم يسيروا في طريق الكمال البشري،بل جانبوه.وهذا يقتضي - حسب السنة التي لا تتخلف - ألا يصلوا إلى مرتبة الكمال،لأنهم جانبوا قانون الكمال وأن يلقوا عاقبة انحرافهم كما يلقى المريض عاقبة انحرافه عن قوانين الصحة الجسدية.هذا يلقاه مرضا وضعفا،وأولئك يلقونه ترديا وانتكاسا،وغصصا بلا لذائذ - في مقابل اللذائذ بلا غصص [1] .
«وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ» ..
وبعد هذه اللفتة من آيات اللّه في خلق السماوات والأرض إلى عبادة اللّه وحده،الذي إليه المرجع وعنده الجزاء ..يعود السياق إلى الآيات الكونية التالية في وجودها وضخامتها للسماوات والأرض:
(1) - هذه اللفتة في تفسير المنار للسيد رشيد رضا رحمه اللّه .. ( السيد رحمه الله )