وهذه الحلقة المعروضة هنا من قصة موسى،مقسمة إلى خمسة مواقف،يليها تعقيب يتضمن العبرة من عرضها في هذه السورة على النحو الذي عرضت به ..وهذه المواقف الخمسة تتتابع في السياق على هذا النحو: «ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا،فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ.فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا:إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ.قالَ مُوسى:أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ،أَسِحْرٌ هذا؟ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ.قالُوا:أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا،وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ؟ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ» ..
والآيات التي بعث بها موسى إلى فرعون وملئه هي الآيات التسع المذكورة في سورة الأعراف.ولكنها لا تذكر هنا ولا تفصل لأن السياق لا يقتضيها،والإجمال في هذا الموضع يغني.والمهم هو تلقي فرعون وملئه لآيات اللّه: «فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ» .
«فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا» ..بهذا التحديد .. «مِنْ عِنْدِنا» ..ليصور شناعة الجريمة فيما قالوه عن هذا الحق الصادر من عند اللّه: «قالُوا:إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ» ..
بهذا التوكيد المتبجح الذي لا يستند مع هذا إلى دليل .. «إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ» ..كأنها جملة واحدة يتعارف عليها المكذبون في جميع العصور! فهكذا قال مشركو قريش،كما حكي عنهم في مطلع السورة،على تباعد الزمان والمكان،وعلى بعد ما بين معجزات موسى ومعجزة القرآن! «قالَ مُوسى:أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ.أَسِحْرٌ هذا؟ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ» ..
وقد حذف من استنكار موسى الأول ما دل عليه الثاني.فكأنه قال لهم:أتقولون للحق لما جاءكم:هذا سحر؟ أسحر هذا؟ وفي السؤال الأول استنكار لوصف الحق بالسحر،وفي السؤال الثاني تعجيب من أن يقول أحد عن هذا إنه سحر.فالسحر لا يستهدف هداية الناس،ولا يتضمن عقيدة،وليس له فكرة معينة عن الألوهية وعلاقة الخلق بالخالق ولا يتضمن منهاجا تنظيميا للحياة.فما يختلط السحر بهذا ولا يلتبس.
وما كان الساحرون ليؤدوا عملا يستهدف مثل هذه الأغراض،ويحقق مثل هذا الاتجاه وما كانوا ليفلحوا وكل عملهم تخييل وتزييف.
وهنا يكشف الملأ عن حقيقة الدوافع التي تصدهم عن التسليم بآيات اللّه: «قالُوا:أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا،وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ؟ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ» ..
وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة،التي يقوم عليها نظامهم السياسي والاقتصادي.وهو الخوف على السلطان في الأرض،هذا السلطان الذي يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة.
إنها العلة القديمة الجديدة،التي تدفع بالطغاة إلى مقاومة الدعوات،وانتحال شتى المعاذير،ورمي الدعاة بأشنع التهم،والفجور في مقاومة الدعوات والدعاة ..إنها هي «الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ» وما تقوم عليه من معتقدات باطلة يحرص المتجبرون على بقائها متحجرة في قلوب الجماهير،بكل ما فيها من