فهرس الكتاب

الصفحة 2473 من 4997

أولئك العبيد الضعاف يحاولون الاستخفاء منه وهم يواجهون آياته يتلوها رسوله: «أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ.أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ.إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» ..

ولعل نص الآية إنما يصور حالة واقعة كانت تصدر من المشركين ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يسمعهم كلام اللّه فيثنون صدورهم ويطأطئون رؤوسهم استخفاء من اللّه الذي كانوا يحسون في أعماقهم أنه قائل هذا الكلام ..وذلك كما ظهر منهم في بعض الأحيان! ولا يكمل السياق الآية حتى يبين عبث هذه الحركة،واللّه،الذي أنزل هذه الآيات،معهم حين يستخفون وحين يبرزون.ويصور هذا المعنى - على الطريقة القرآنية - في صورة مرهوبة،وهم في وضع خفي دقيق من أوضاعهم.حين يأوون إلى فراشهم،ويخلون إلى أنفسهم،والليل لهم ساتر،وأغطيتهم لهم ساتر.ومع ذلك فاللّه معهم من وراء هذه الأستار حاضر ناظر قاهر.يعلم في هذه الخلوة ما يسرون وما يعلنون: «أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» ..

واللّه يعلم ما هو أخفى.وليست أغطيتهم بساتر دون علمه.ولكن الإنسان يحس عادة في مثل هذه الخلوة أنه وحيد لا يراه أحد.فالتعبير هكذا يلمس وجدانه ويوقظه،ويهزه هزة عميقة إلى هذه الحقيقة التي قد يسهو عنها،فيخيل إليه أن ليس هناك من عين تراه! «إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» ..

عليم بالأسرار المصاحبة للصدور،التي لا تفارقها،والتي تلزمها كما يلزم الصاحب صاحبه،أو المالك ملكه ..فهي لشدة خفائها سميت ذات الصدور.ومع ذلك فاللّه بها عليم ..وإذن فما من شيء يخفى عليه،وما من حركة لهم أو سكنة تذهب أو تضيع.

«وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ..

وهذه صورة أخرى من صور العلم الشامل المرهوب ..هذه الدواب - وكل ما تحرك على الأرض فهو دابة من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة.ما من دابة من هذه الدواب التي تملأ وجه البسيطة،وتكمن في باطنها،وتخفى في دروبها ومساربها.ما من دابة من هذه الدواب التي لا يحيط بها حصر ولا يكاد يلم بها إحصاء ..إلا وعند اللّه علمها.وعليه رزقها،وهو يعلم أين تستقر وأين تكمن.من أين تجيء وأين تذهب ..وكل منها.كل من أفرادها مقيد في هذا العلم الدقيق.

إنها صورة مفصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات،يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصورها بخياله الإنساني فلا يطيق.

ويزيد على مجرد العلم،تقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا الحشد الذي يعجز عن تصوره الخيال.

وهذه درجة أخرى،الخيال البشري عنها أعجز إلا بإلهام من اللّه ..

وقد أوجب اللّه - سبحانه - على نفسه مختارا أن يرزق هذا الحشد الهائل الذي يدب على هذه الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت