فهرس الكتاب

الصفحة 2530 من 4997

«أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا» ..إنها للقاصمة! فكل شيء يا صالح إلا هذا! وما كنا لنتوقع أن تقولها! فيا لخيبة الرجاء فيك! ثم إننا لفي شك مما تدعونا إليه.شك يجعلنا نرتاب فيك وفيما تقول:

«وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ» ..وهكذا يعجب القوم مما لا عجب فيه بل يستنكرون ما هو واجب وحق،ويدهشون لأن يدعوهم أخوهم صالح إلى عبادة اللّه وحده.لماذا؟ لا لحجة ولا لبرهان ولا لتفكير.ولكن لأن آباءهم يعبدون هذه الآلهة! وهكذا يبلغ التحجر بالناس أن يعجبوا من الحق البين.وأن يعللوا العقائد بفعل الآباء! وهكذا يتبين مرة وثانية وثالثة أن عقيدة التوحيد هي في صميمها دعوة للتحرر الشامل الكامل الصحيح.

ودعوة إلى إطلاق العقل البشري من عقال التقليد،ومن أوهاق الوهم والخرافة التي لا تستند إلى دليل.

وتذكرنا قولة ثمود لصالح: «قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا» ..

تذكرنا بما كان لقريش من ثقة بصدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمانته.فلما أن دعاهم إلى ربوبية اللّه وحده تنكروا له كما تنكر قوم صالح،وقالوا:ساحر.وقالوا:مفتر.ونسوا شهادتهم له وثقتهم فيه! إنها طبيعة واحدة،ورواية واحدة تتكرر على مدى العصور والدهور ..

ويقول صالح كما قال جده نوح: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) } [هود:63] ..

يا قوم:ماذا ترون إن كنت أجد في نفسي حقيقة ربي واضحة بينة،تجعلني على يقين من أن هذا هو الطريق؟ وآتاني منه رحمة فاختارني لرسالته وأمدني بالخصائص التي تؤهلني لها.فمن ينصرني من اللّه إن أنا عصيته فقصرت في إبلاغكم دعوته،احتفاظا برجائكم فيّ؟ أفنافعي هذا الرجاء وناصري من اللّه؟ كلا: «فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ؟ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ» ..

ما تزيدونني إلا خسارة على خسارة ..غضب اللّه وحرماني شرف الرسالة وخزي الدنيا وعذاب الآخرة.

وهي خسارة بعد خسارة.ولا شيء إلا التخسير! والتثقيل والتشديد!

«وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً،فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ،وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ» ولا يذكر السياق صفة لهذه الناقة التي أشار إليها صالح لتكون آية لهم وعلامة.ولكن في إضافتها للّه: «هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ» وفي تخصيصها لهم: «لكم آية» ما يشير إلى أنها كانت ذات صفة خاصة مميزة،يعلمون بها أنها آية لهم من اللّه.ونكتفي بهذا دون الخوض في ذلك الخضم من الأساطير والإسرائيليات التي تفرقت بها أقوال المفسرين حول ناقة صالح فيما مضى وفيما سيجيء! «هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً.فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ» ..

وإلا فسيعاجلكم العذاب.يدل على هذه المعاجلة فاء الترتيب في العبارة.ولفظ قريب: «فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ» ..يأخذكم أخذا.وهي حركة أشد من المس أو الوقوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت