والتعقيب الأول في هذا الدرس تعقيب مباشر على القصص: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ.وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ،فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ - لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ - وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ.وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ.إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» ..
والتعقيب الثاني يتخذ مما نزل بالقرى من عذاب موحيا بالخوف من عذاب الآخرة الذي يعرض في مشهد شاخص من مشاهد يوم القيامة: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ.ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ.يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ،فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ.فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ.خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ - إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ - إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ.وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ - إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ - عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» ..
يليه تعقيب آخر مستمد من عاقبة القرى ومن مشهد القيامة لتقرير أن المشركين الذين يواجههم محمد - صلى الله عليه وسلم - شأنهم شأن من قبلهم في الحالين.وإذا كان عذاب الاستئصال لا يقع عليهم في الأرض،فذلك لكلمة سبقت من ربك إلى أجل كما أجل العذاب لقوم موسى مع اختلافهم فيما جاءهم من كتاب.ولكن هؤلاء وهؤلاء سيوفون أعمالهم على وجه التأكيد.فاستقم أيها الرسول على طريقتك أنت ومن تاب معك،ولا تركنوا إلى الذين ظلموا وأشركوا،وأقم الصلاة واصبر،فإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين: «فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ.ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ،وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ.وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ،وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ،إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ،وَلا تَطْغَوْا ،إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ.وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ،إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ،ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ.وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» ..
ثم عودة إلى القرون الخالية التي لم يكن فيها إلا قليل من الذين ينهون عن الفساد في الأرض.أما الكثرة فكانت ماضية فيما هي فيه،فاستحقت الهلاك.وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) } [هود:116، 117] ..
وكشف عن سنة اللّه في كون الناس مختلفين في مناهجهم واتجاهاتهم.ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة.ولكن إرادته اقتضت إعطاء البشر قدرا من الاختيار:«وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً