فهرس الكتاب
«وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ» ..فهو الولي وحده والنصير.وهو العليم بما تعملون من خير وشر،ولن يضيع جزاء أحد: «وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» ..
وهكذا تختم السورة التي بدئت بالتوحيد في العبادة،والتوبة والإنابة والرجعة إلى اللّه في النهاية.بمثل ما بدئت به من عبادة اللّه وحده والتوجه إليه وحده.والرجعة إليه في نهاية المطاف.وذلك بعد طول التطواف في آفاق الكون وأغوار النفس وأطواء القرون ..
وهكذا يلتقي جمال التنسيق الفني في البدء والختام،والتناسق بين القصص والسياق،بكمال النظرة والفكرة والاتجاه في هذا القرآن.ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ..
وبعد.فإن المتتبع لسياق هذه السورة كلها - بل المتتبع للقرآن المكي كله - يجد أن هنالك خطا أصيلا ثابتا عريضا عميقا،هو الذي ترتكز عليه وهو المحور الذي تدور حوله وإليه ترجع سائر خطوطها،وإليه تشد جميع خيوطها كذلك ..إنه خط العقيدة الذي يرتكز إليه هذا الدين كله ..وإنه محور العقيدة الذي يدور عليه هذا المنهج الرباني لحياة البشرية جملة وتفصيلا ..
تعقيب إجمالي على سورة هود عليه السلام
وسنحتاج - في التعقيب الإجمالي على هذه السورة - أن نقف وقفات إجمالية كذلك على ذلك الخط وعلى هذا المحور - كما يتجلي في سياق السورة - وبعضها مما يكون قد سبق لنا الوقوف عنده شيئا ما.ولكننا في هذا التعقيب الإجمالي سنحتاج إلى الإلمام به،ربطا لأجزاء هذا التعقيب الأخير:
إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله ..سواء في مقدمتها التي تعرض مضمون الكتاب الذي أرسل به محمد - صلى الله عليه وسلم - أو في القصص الذي يعرض خط الحركة بالعقيدة الإسلامية على مدى التاريخ البشري.أو في التعقيب الختامي الذي يوجه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى مواجهة المشركين بالنتائج النهائية المستخلصة من هذا القصص ومن مضمون الكتاب الذي جاءهم به في النهاية ..
إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله ..هي التركيز على الأمر بعبادة اللّه وحده،والنهي عن عبادة غيره ..وتقرير أن هذا هو الدين كله ..وإقامة الوعد والوعيد،والحساب والجزاء،والثواب والعقاب،على هذه القاعدة الواحدة الشاملة العريضة ..كما أسلفنا في تقديم السورة وفي مواضع متعددة من تفسيرها ..
فيبقى هنا أن نجلي أولا طريقة المنهج القرآني في تقرير هذه الحقيقة،وقيمة هذه الطريقة:
إن حقيقة توحيد العبادة للّه ترد في صيغتين هكذا: «يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ...» ..
«أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ،إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ...» ..وواضح اختلاف الصيغتين بين الأمر والنهي ..فهل مدلولهما واحد؟.إن مدلول الصيغة الأولى:الأمر بعبادة اللّه،وتقرير أن ليس هناك إله يعبد سواه ..ومدلول الصيغة الثانية:النهي عن عبادة غير اللّه ..