فهرس الكتاب

الصفحة 2568 من 4997

أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ،إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..مما يقطع بأن الآيتين نزلتا معا،في سياق السورة الموصول.

والسورة كلها لحمة واحدة عليها الطابع المكي واضحا في موضوعها وفي جوها وفي ظلالها وفي إيحاءاتها.

بل إن عليها طابع هذه الفترة الحرجة الموحشة بصفة خاصة ..ففي الوقت الذي كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يعاني من الوحشة والغربة والانقطاع في جاهلية قريش - منذ عام الحزن - وتعاني معه الجماعة المسلمة هذه الشدة،كان اللّه - سبحانه - يقص على نبيه الكريم قصة أخ له كريم - يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم صلوات اللّه وسلامه أجمعين - وهو يعاني صنوفا من المحن والابتلاء ات:محنة كيد الإخوة.ومحنة الجب والخوف والترويع فيه.ومحنة الرق وهو ينتقل كالسلعة من يد إلى يد على غير إرادة منه،ولا حماية ولا رعاية من أبويه ولا من أهله.ومحنة كيد امرأة العزيز والنسوة،وقبلها ابتلاء الإغراء والشهوة والفتنة! ومحنة السجن بعد رغد العيش وطراوته في قصر العزيز.ثم محنة الرخاء والسلطان المطلق في يديه،وهو يتحكم في أقوات الناس وفي رقابهم،وفي يديه لقمة الخبز التي تقوتهم! ومحنة المشاعر البشرية وهو يلقى بعد ذلك إخوته الذين ألقوه في الجب وكانوا السبب الظاهر لهذه المحن والابتلاء ات كلها ..

هذه المحن والابتلاء ات التي صبر عليها يوسف - عليه السلام - وزاول دعوته إلى الإسلام من خلالها،وخرج منها كلها متجردا خالصا آخر توجهاته،وآخر اهتماماته،في لحظة الانتصار على المحن جميعا وفي لحظة لقاء أبويه ولم شمله وفي لحظة تأويل رؤياه وتحققها كما رآها: «إذ قال يوسف لأبيه:يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر.رأيتهم لي ساجدين» ..آخر توجهاته وآخر اهتماماته في هذه اللحظة هي التوجه المخلص المتجرد المنيب إلى ربه،منخلعا من هذا كله بكليته كما يصوره القرآن الكريم: «فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ،وَقالَ:ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ،وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا.وَقالَ:يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا،وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ،وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي،إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ،إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ..رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ،وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ،فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،تَوَفَّنِي مُسْلِمًا،وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» ..

وهكذا كانت طلبته الأخيرة ..بعد ذلك كله وهو في غمرة السلطان والرخاء ولمة الشمل ..أن يتوفاه ربه مسلما،وأن يلحقه بالصالحين ..وذلك بعد الابتلاء والمحنة،والصبر الطويل والانتصار الكبير ..

فلا عجب أن تكون هذه السورة.بما احتوته من قصة ذلك النبي الكريم،ومن التعقيبات عليها بعد ذلك،مما يتنزل على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة معه في مكة،في هذه الفترة بالذات،تسلية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت