فهرس الكتاب

الصفحة 2584 من 4997

التقرير ناشىء من أمر اللّه سبحانه بألا يعبد إلا إياه.والتعبير القرآني الدقيق في هذه القضية يحدد مدلول «العبادة» تحديدا دقيقا.

فهي الحكم من جانب اللّه والدينونة من جانب البشر ..وهذا وحده هو «الدين القيم» فلا دين إذن للّه ما لم تكن دينونة الناس للّه وحده،وما لم يكن الحكم للّه وحده.ولا عبادة للّه إذن إذا دان الناس لغير اللّه في شأن واحد من شؤون الحياة.فتوحيد الألوهية يقتضي توحيد الربوبية.والربوبية تتمثل في أن يكون الحكم للّه ..أو أن تكون العبادة للّه ..فهما مترادفان أو متلازمان.والعبادة التي يعتبر بها الناس مسلمين أو غير مسلمين هي الدينونة والخضوع والاتباع لحكم اللّه دون سواه ..

وهذا التقرير القرآني بصورته هذه الجازمة ينهي كل جدل في اعتبار الناس في أي زمان وفي أي مكان مسلمين أو غير مسلمين،في الدين القيم أم في غير هذا الدين ..فهذا الاعتبار يعد من المعلوم من الدين بالضرورة ..من دان لغير اللّه وحكّم في أي أمر من أمور حياته غير اللّه،فليس من المسلمين وليس في هذا الدين،ومن أفرد اللّه سبحانه بالحاكمية ورفض الدينونة لغيره من خلائقه فهو من المسلمين وفي هذا الدين ..وكل ما وراء ذلك تمحّل لا يحاوله إلا المهزومون أمام الواقع الثقيل في بيئة من البيئات وفي قرن من القرون! ودين اللّه واضح.وهذا النص وحده كاف في جعل هذا الحكم من المعلوم من الدين بالضرورة.من جادل فيه فقد جادل في هذا الدين! ومن الإيحاءات الواردة في ثنايا القصة صورة الإيمان المتجرد الخالص الموصول كما تتجلى في قلبي عبدين صالحين من عباد اللّه المختارين:يعقوب ويوسف:

فأما يوسف فقد أشرنا من قبل إلى موقفه الأخير متجردا من كل شيء، نافضا عنه كل شيء، متجها إلى ربه،مبتهلا إليه في انكسار وفي خشوع يناجيه: «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ،وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ،فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» ..

ولكن هذا الموقف الأخير لم يكن هو كل شيء في هذا الجانب فهو على مدار القصة يقف هذا الموقف،موصولا بربه،يحسه - سبحانه - قريبا منه مستجيبا له:في موقف الإغراء والفتنة والغواية يهتف: «معاذ اللّه! إنه ربي أحسن مثواي.إنه لا يفلح الظالمون» ..

وفي الموقف الآخر وهو يخشى على نفسه الضعف والميل يهتف كذلك: «رب،السجن أحب إلي مما يدعونني إليه،وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين» ..

وفي موقف تعريف نفسه لإخوته،يبين فضل اللّه عليه ويشكر نعمته ويذكرها: « قالوا:أإنك لأنت يوسف؟ قال:أنا يوسف وهذا أخي قد منّ اللّه علينا،إنه من يتق ويصبر فإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت