فهرس الكتاب
طوال سبع سنوات،لا زرع فيها ولا ضرع.فليس هذا غنما يطلبه يوسف لنفسه.فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد إنه غنيمة.إنما هي تبعة يهرب منها الرجال،لأنها قد تكلفهم رؤوسهم،والجوع كافر،وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والجنون.
شبهات حول تولي النبي يوسف عليه السلام الحكم في مصر
وهنا تعرض شبهة ..أليس في قول يوسف - عليه السلام: «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ،إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» ..أمران محظوران في النظام الإسلامي:
أولهما:طلب التولية،وهو محظور بنص قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَا وَرَجُلاَنِ مِنْ بَنِي عَمِّي،فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ:يَا رَسُولَ اللهِ،أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاَّكَ اللَّهُ،وَقَالَ الآخَرُ:مِثْلَ ذَلِكَ،فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:إِنَّا وَاللَّهِ لاَ نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ،وَلاَ أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ. (متفق عليه) [1] .
وثانيهما:تزكية النفس،وهي محظورة بقوله تعالى: «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ» ؟
الفرق بين فقه الحركة وفقه الأوراق
ولا نريد أن نجيب بأن هذه القواعد إنما تقررت في النظام الإسلامي الذي تقرر على عهد محمد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأنها لم تكن مقررة على أيام يوسف - عليه السلام - والمسائل التنظيمية في هذا الدين ليست موحدة كأصول العقيدة،الثابتة في كل رسالة وعلى يد كل رسول ..
لا نريد أن نجيب بهذا،وإن كان له وجه،لأننا نرى أن الأمر في هذه المسألة أبعد أعماقا،وأوسع آفاقا من أن يرتكن إلى هذا الوجه وأنه إنما يرتكن إلى اعتبارات أخرى لا بد من إدراكها،لإدراك منهج الاستدلال من الأصول والنصوص،ولإعطاء أصول الفقه وأحكامه تلك الطبيعة الحركية الأصيلة في كيانها،والتي خمدت وجمدت في عقول الفقهاء وفي عقلية الفقه كلها في قرون الخمود والركود! إن الفقه الإسلامي لم ينشأ في فراغ،كما أنه لا يعيش ولا يفهم في فراغ! ..
لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم،ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية.كذلك لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي أنشأ المجتمع المسلم إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي ..
وهاتان الحقيقتان التاريخيتان الواقعيتان عظيمتا الدلالة كما أنهما ضروريتان لفهم طبيعة الفقه الإسلامي وإدراك الطبيعة الحركية للأحكام الفقهية الإسلامية.
(1) - صحيح مسلم- المكنز [12 /200] (4821 ) وصحيح ابن حبان [10 /333] (4481) وجامع الأصول في أحاديث الرسول [4 /60] (2040 )