ويبدو من قولهم: «ونزداد كيل بعير» أن يوسف - عليه السلام - كان يعطي كل واحد وسق بعير - وهو قدر معروف - ولم يكن يبيع كل مشتر ما يريد.وكان ذلك من الحكمة في سنوات الجدب،كي يظل هناك قوت للجميع:واستسلم الرجل على كره ولكنه جعل لتسليم ابنه الباقي شرطا:
{ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66) } [يوسف:66] ..
أي لتقسمن لي باللّه قسما يربطكم،أن تردوا عليّ ولدي،إلا إذا غلبتم على أمركم غلبا لا حيلة لكم فيه،ولا تجدي مدافعتكم عنه: «إلا ان يحاط بكم» ..
وهو كناية عن أخذ المسالك كلها عليهم.فأقسموا: «فلما آتوه موثقهم قال:اللّه على ما نقول وكيل» ..زيادة في التوكيد والتذكير.
وبعد هذا الموثق جعل الرجل يوصيهم بما خطر له في رحلتهم القادمة ومعهم الصغير العزيز:
{وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) } [يوسف:67] ..
ونقف هنا أمام قول يعقوب - عليه السلام: «إن الحكم إلا للّه» ..
وواضح من سياق القول أنه يعني هنا حكم اللّه القدري القهري الذي لا مفر منه ولا فكاك.وقضاءه الإلهي الذي يجري به قدره فلا يملك الناس فيه لأنفسهم شيئا.وهذا هو الإيمان بالقدر خيره وشره.
وحكم اللّه القدري يمضي في الناس على غير إرادة منهم ولا اختيار ..وإلى جانبه حكم اللّه الذي ينفذه الناس عن رضي منهم واختيار.وهو الحكم الشرعي المتمثل في الأوامر والنواهي ..وهذا كذلك لا يكون إلا للّه.شأنه شأن حكمه القدري،باختلاف واحد:هو أن الناس ينفذونه مختارين أو لا ينفذونه.فيترتب على هذا أو ذاك نتائجه وعواقبه في حياتهم في الدنيا وفي جزائهم في الآخرة.ولكن الناس لا يكونون مسلمين حتى يختاروا حكم اللّه هذا وينفذوه فعلا راضين ..
وسار الركب،ونفذوا وصية أبيهم: «وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ،ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ - إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها - وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ..
فيم كانت هذه الوصية؟ لم قال لهم أبوهم:لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة؟
تضرب الروايات والتفاسير في هذا وتبدى وتعيد،بلا ضرورة،بل ضد ما يقتضيه السياق القرآني الحكيم.
فلو كان السياق يحب أن يكشف عن السبب لقال.ولكنه قال فقط - إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها - فينبغي أن يقف المفسرون عند ما أراده السياق.احتفاظا بالجو الذي أراده.والجو يوحي بأنه كان يخشى شيئا عليهم،ويرى في دخولهم من أبواب متفرقة اتقاء لهذا الشيء مع تسليمه بأنه لا يغني