وهي صورة مؤثرة للوالد المفجوع.يحس أنه منفرد بهمه،وحيد بمصابه،لا تشاركه هذه القلوب التي حوله ولا تجاوبه،فينفرد في معزل،يندب فجيعته في ولده الحبيب.يوسف.الذي لم ينسه،ولم تهوّن من مصيبته السنون،والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الأصغر فتغلبه على صبره الجميل:
«يا أسفا على يوسف!» ..
ويكظم الرجل حزنه ويتجلد فيؤثر هذا الكظم في أعصابه حتى تبيض عيناه حزنا وكمدا: «وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم» ..
ويبلغ الحقد بقلوب بنيه ألا يرحموا ما به،وأن يلسع قلوبهم حنينه ليوسف وحزنه عليه ذلك الحزن الكامد الكظيم،فلا يسرون عنه،ولا يعزونه،ولا يعللونه بالرجاء،بل يريدون ليطمسوا في قلبه الشعاع الأخير: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) } [يوسف:85] ..
وهي كلمة حانقة مستنكرة.تاللّه تظل تذكر يوسف،ويهدك الحزن عليه،حتى تذوب حزنا أو تهلك أسى بلا جدوى.فيوسف ميئوس منه قد ذهب ولن يعود!
ويرد عليهم الرجل بأن يتركوه لربه،فهو لا يشكو لأحد من خلقه،وهو على صلة بربه غير صلتهم،ويعلم من حقيقته ما لا يعلمون: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي [1] وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) } [يوسف:86]
وفي هذه الكلمات يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول كما تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر،ولألائها الباهر.
إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف،وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته فضلا على عودته إلى أبيه،واستنكار بنيه لهذا التطلع بعد هذا الأمد الطويل في وجه هذا الواقع الثقيل ..إن هذا كله لا يؤثر شيئا في شعور الرجل الصالح بربه.فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلم هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة بذلك الواقع الصغير المنظور! وهذه قيمة الإيمان باللّه،ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة.معرفة التجلي والشهود وملابسة قدرته وقدره،وملامسة رحمته ورعايته،وإدراك شأن الألوهية مع العبيد الصالحين.
إن هذه الكلمات:أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها.وتعرض مذاقا يعرفه من ذاق مثله،فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب ..والقلب الذي ذاق هذا المذاق لا تبلغ الشدائد منه - مهما بلغت - إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق!
(1) - همي ومصيبتي. ( السيد رحمه الله )