فهرس الكتاب

الصفحة 2679 من 4997

والقضية الأولى هي قضية الوحي،وقد أثيرت في صدر السورة.وهي تثار هنا مرة أخرى على نسق جديد .. «أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» ..

إن المقابل لمن يعلم أن أنزل إليك من ربك هو الحق ليس هو من لا يعلم هذا،إنما المقابل هو الأعمى! وهو أسلوب عجيب في لمس القلوب وتجسيم الفروق.وهو الحق في الوقت ذاته لا مبالغة فيه ولا زيادة ولا تحريف.فالعمى وحده هو الذي ينشئ الجهل بهذه الحقيقة الكبرى الواضحة التي لا تخفى إلا على أعمى.والناس إزاء هذه الحقيقة الكبيرة صنفان:مبصرون فهم يعلمون،وعمي فهم لا يعلمون! والعمى عمى البصيرة،وانطماس المدارك،واستغلاق القلوب،وانطفاء قبس المعرفة في الأرواح،وانفصالها عن مصدر الإشعاع ..

«إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» ..الذين لهم عقول وقلوب مدركة تذكر بالحقّ فتتذكر،وتنبه إلى دلائله فتتفكر.

وهذه صفات أولي الألباب هؤلاء: «الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ،وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ» ..

وعهد اللّه مطلق يشمل كل عهد،وميثاق اللّه مطلق يشمل كل ميثاق.والعهد الأكبر الذي تقوم عليه العهود كلها هو عهد الإيمان والميثاق الأكبر الذي تتجمع عليه المواثيق كلها هو ميثاق الوفاء بمقتضيات هذا الإيمان.

وعهد الإيمان قديم وجديد.قديم مع الفطرة البشرية المتصلة بناموس الوجود كله المدركة إدراكا مباشرا لوحدة الإرادة التي صدر عنها الوجود،ووحدة الخالق صاحب الإرادة،وأنه وحده المعبود.وهو الميثاق المأخوذ على الذرية في ظهور بني آدم فيما ارتضيناه لها من تفسير ..ثم هو جديد مع الرسل الذين بعثهم اللّه لا لينشئوا عهد الإيمان ولكن ليجددوه ويذكروا به ويفصلوه،ويبينوا مقتضياته من الدينونة للّه وحده والانخلاع من الدينونة لسواه،مع العمل الصالح والسلوك القويم،والتوجه به إلى اللّه وحده صاحب الميثاق القديم ..

ثم تترتب على العهد الإلهي والميثاق الرباني كل العهود والمواثيق مع البشر.سواء مع الرسول أو مع الناس.ذوي قرابة أو أجانب.أفرادا أم جماعات.فالذي يرعى العهد الأول يرعى سائر العهود،لأن رعايتها فريضة والذي ينهض بتكاليف الميثاق الأول يؤدي كل ما هو مطلوب منه للناس،لأن هذا داخل في تكاليف الميثاق.

فهي القاعدة الضخمة الأولى التي يقوم عليها بنيان الحياة كله.يقررها في كلمات. «وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ،وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ،وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ» ..هكذا في إجمال.فكل ما أمر اللّه به أن يوصل يصلونه.أي أنها الطاعة الكاملة والاستقامة الواصلة،والسير على السنة ووفق الناموس بلا انحراف ولا التواء.لهذا ترك الأمر مجملا،ولم يفصل مفردات ما أمر اللّه به أن يوصل،لأن هذا التفصيل يطول،وهو غير مقصود،إنما المقصود هو تصوير الاستقامة المطلقة التي لا تلتوي،والطاعة المطلقة التي لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت