كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) [الرعد:33- 35] ..
واللّه سبحانه رقيب على كل نفس،مسيطر عليها في كل حال،عالم بما كسبت في السر والجهر.ولكن التعبير القرآني المصوّر يشخص الرقابة والسيطرة والعلم في صورة حسية - على طريقة القرآن - صورة ترتعد لها الفرائص: «أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ» ..
فلتتصور كل نفس أن عليها حارسا قائما عليها مشرفا مراقبا يحاسبها بما كسبت.ومن؟ إنه اللّه! فأية نفس لا ترتعد لهذه الصورة وهي في ذاتها حق،إنما يجسمها التعبير للإدراك البشري الذي يتأثر بالحسيات أكثر مما يتأثر بالتجريديات.
أفذلك كذلك؟ ثم يجعلون للّه شركاء؟! هنا يبدو تصرفهم مستنكرا مستغربا في ظل هذا المشهد الشاخص المرهوب.
«وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ» ..اللّه القائم على كل نفس بما كسبت،لا تفلت منه ولا تروغ.
«قل:سموهم» ! فإنهم نكرات مجهولة.وقد تكون لهم أسماء.ولكن التعبير هنا ينزلهم منزلة النكرات التي لا تعرف أسماؤها.
«أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض؟» ..يا للتهكم! أم إنكم أنتم البشر تعلمون ما لا يعلمه اللّه؟ فتعلمون أن هناك آلهة في الأرض،وغاب هذا عن علم اللّه؟! إنها دعوى لا يجرؤون على تصورها.ومع هذا فهم يقولونها بلسان الحال،حين يقول اللّه أن ليست هناك آلهة،فيدعون وجودها وقد نفاه اللّه! «أم بظاهر من القول؟» .تدعون وجودها بكلام سطحي ليس وراءه مدلول.وهل قضية الألوهية من التفاهة والهزل بحيث يتناولها الناس بظاهر من القول؟! وينتهي هذا التهكم بالتقرير الجاد الفاصل: «بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ.وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» ..
فالمسألة إذن أن هؤلاء كفروا وستروا أدلة الإيمان عنهم وستروا نفوسهم عن دلائل الهدى،فحقت عليهم سنة اللّه،وصورت لهم نفوسهم أنهم على صواب،وأن مكرهم وتدبيرهم ضد الدعوة حسن وجميل،فصدهم هذا عن السبيل الواصل المستقيم.ومن تقتضي سنة اللّه ضلاله لأنه سار في طريق الضلال فلن يهديه أحد،لأن سنة اللّه لا تتوقف إذا حقت بأسبابها على العباد.
والنهاية الطبيعية لهذه القلوب المنتكسة هي العذاب: «لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»
إن أصابتهم قارعة فيها،وإن حلت قريبا من دارهم فهو الرعب والقلق والتوقع.وإلا فجفاف القلب من بشاشة الإيمان عذاب،وحيرة القلب بلا طمأنينة الإيمان عذاب.ومواجهة كل حادث بلا إدراك للحكمة الكبرى وراء الأحداث عذاب ... «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ» ..
ويتركه هنا بلا تحديد للتصور والتخيل بلا حدود.