فهرس الكتاب
«إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» ..ففي هذه الأيام ما هو بؤسى فهو آية للصبر،وفيها ما هو نعمى فهو آية للشكر.والصبار الشكور هو الذي يدرك هذه الآيات،ويدرك ما وراءها،ويجد فيها عبرة له وعظة كما يجد فيها تسرية وتذكيرا.
وراح موسى يؤدي رسالته،ويذكر قومه: «وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ:اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ،وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ،وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» ..
إنه يذكرهم بنعمة اللّه عليهم.نعمة النجاة من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون،يسامونه سوما،أي يوالون به ويتابعون،فلا يفتر عنهم ولا ينقطع.ومن ألوانه البارزة تذبيح الذكور من الأولاد واستحياء الإناث،منعا لتكاثر القوة المانعة فيهم واستبقاء لضعفهم وذلهم.فإنجاء اللّه لهم من هذه الحال نعمة تذكر.وتذكر لتشكر.
«وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» ..بلاء بالعذاب أولا،لامتحان الصبر والتماسك والمقاومة والعزم على الخلاص والعمل له.فليس الصبر هو احتمال الذل والعذاب وكفى.ولكن الصبر هو احتمال العذاب بلا تضعضع ولا هزيمة روحية،واستمرار العزم على الخلاص،والاستعداد للوقوف في وجه الظلم والطغيان.وإلا فما هو صبر مشكور ذلك الاستسلام للذل والهوان ..وبلاء بالنجاة ثانيا لامتحان الشكر،والاعتراف بنعمة اللّه،والاستقامة على الهدى في مقابل النجاة.
ويمضي موسى في البيان لقومه.بعد ما ذكرهم بأيامه.ووجههم إلى الغاية من العذاب والنجاة.وهي الصبر للعذاب والشكر للنجاة ..يمضي ليبين لهم ما رتبه اللّه جزاء على الشكر والكفران: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ:لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ،وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ» ..ونقف نحن أمام هذه الحقيقة الكبيرة:حقيقة زيادة النعمة بالشكر،والعذاب الشديد على الكفر.
نقف نحن أمام هذه الحقيقة تطمئن إليها قلوبنا أول وهلة لأنها وعد من اللّه صادق.فلا بد أن يتحقق
على أية حال ..فإذا أردنا أن نرى مصداقها في الحياة،ونبحث عن أسبابه المدركة لنا،فإننا لا نبعد كثيرا في تلمس الأسباب.
إن شكر النعمة دليل على استقامة المقاييس في النفس البشرية.فالخير يشكر لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة المستقيمة ..
هذه واحدة ..والأخرى أن النفس التي تشكر اللّه على نعمته،تراقبه في التصرف بهذه النعمة.بلا بطر،وبلا استعلاء على الخلق،وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد.
وهذه وتلك مما يزكي النفس،ويدفعها للعمل الصالح،وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها ويرضي الناس عنها وعن صاحبها،فيكونون له عونا ويصلح روابط المجتمع فتنمو فيه الثروات في