فهرس الكتاب
اللَّهُ؟» ..فهم كثير إذن،وهناك غير من جاء ذكرهم في القرآن.ما بين ثمود وقوم موسى.والسياق هنا لا يعنى بتفصيل أمرهم،فهناك وحدة في دعوة الرسل ووحدة فيما قوبلت به: «جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» .
الواضحات التي لا يلتبس أمرها على الإدراك السليم.
«فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ،وَقالُوا:إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ» ..ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل من يريد تمويج الصوت ليسمع عن بعد،بتحريك كفه أمام فمه وهو يرفع صوته ذهابا وإيابا فيتموج الصوت ويسمع.يرسم السياق هذه الحركة التي تدل على جهرهم بالتكذيب والشك،وإفحاشهم في هذا الجهر،وإتيانهم بهذه الحركة الغليظة التي لا أدب فيها ولا ذوق،إمعانا منهم في الجهر بالكفر.
ولما كان الذي يدعوهم إليه رسلهم هو الاعتقاد بألوهية اللّه وحده،وربوبيته للبشر بلا شريك من عباده ..فإن الشك في هذه الحقيقة الناطقة التي تدركها الفطرة،وتدل عليها آيات اللّه المبثوثة في ظاهر الكون المتجلية في صفحاته،يبدو مستنكرا قبيحا.وقد استنكر الرسل هذا الشك.والسماوات والأرض شاهدان.
«قالَتْ رُسُلُهُمْ:أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟» ..أفي اللّه شك والسماوات والأرض تنطقان للفطرة بأن اللّه أبدعهما إبداعا وأنشأهما إنشاء؟ قالت رسلهم هذا القول،لأن السماوات والأرض آيتان هائلتان بارزتان،فمجرد الإشارة إليهما يكفي،ويرد الشارد إلى الرشد سريعا،ولم يزيدوا على الإشارة شيئا لأنها وحدها تكفي ثم أخذوا يعددون نعم اللّه على البشر في دعوتهم إلى الإيمان،وفي إمهالهم إلى أجل يتدبرون فيه ويتقون العذاب: «أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ» .
والدعوة أصلا دعوة إلى الإيمان،المؤدي إلى المغفرة.ولكن السياق يجعل الدعوة مباشرة للمغفرة،لتتجلى نعمة اللّه ومنته.وعندئذ يبدو عجيبا أن يدعى قوم إلى المغفرة فيكون هذا تلقيهم للدعوة! «يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ» .. «وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» ..فهو - سبحانه - مع الدعوة للمغفرة لا يعجلكم بالإيمان فور الدعوة،ولا يأخذكم بالعذاب فور التكذيب.
إنما يمن عليكم منة أخرى فيؤخركم إلى أجل مسمى.إما في هذه الدنيا وإما إلى يوم الحساب،ترجعون فيه إلى نفوسكم،وتتدبرون آيات اللّه وبيان رسلكم.وهي رحمة وسماحة تحسبان في باب النعم ..فهل هذا هو جواب دعوة اللّه الرحيم المنان؟!
هنا يرجع القوم في جهالتهم إلى ذلك الاعتراض الجهول: « قالُوا:إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا،تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا» ..وبدلا من أن يعتز البشر باختيار اللّه لواحد منهم ليحمل رسالته،فإنهم لجهالتهم ينكرون هذا الاختيار،ويجعلونه مثار ريبة في الرسل المختارين ويعللون دعوة