فهرس الكتاب
«وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ» ..بإرادته المطلقة،التي تختار الناموس،فلا تتقيد به ولكنها ترضاه.حتى تقتضي الحكمة تبديله فيتبدل في نطاق المشيئة التي لا تقف لها قوة،ولا يقوم في طريقها عائق والتي يتم كل أمر في الوجود وفق ما تشاء.
وبهذه الخاتمة يتم التعقيب على القصة الكبرى للرسالات والدعوات.وقد استغرقت الشطر الأول والأكبر من السورة المسماة باسم إبراهيم أبي الأنبياء،والشجرة الظليلة الوارفة المثمرة خير الثمرات،والكلمة الطيبة المتجددة في الأجيال المتعاقبة،تحتوي دائما على الحقيقة الكبرى ..حقيقة الرسالة الواحدة التي لا تتبدل،وحقيقة الدعوة الواحدة التي لا تتغير،وحقيقة التوحيد للّه الواحد القهار.
وقفات قصيرة في موقف الجاهلية من دعوة الرسل عبر التاريخ
والآن نقف وقفات قصيرة أمام الحقائق البارزة التي تعرضها قصة الرسل مع الجاهلية.وهي الحقائق التي أشرنا إليها إشارات سريعة في أثناء استعراض السياق القرآني،ونرى أنها تحتاج إلى وقفات أخرى أمامها مسقلة:
إننا نقف من هذه القصة على حقيقة أولية بارزة يقصها علينا الحكيم الخبير ..إن موكب الإيمان منذ فجر التاريخ الإنساني موكب واحد موصول،يقوده رسل اللّه الكرام،داعين بحقيقة واحدة،جاهرين بدعوة واحدة،سائرين على منهج واحد ..كلهم يدعو إلى ألوهية واحدة،وربوبية واحدة وكلهم لا يدعو مع اللّه أحدا،ولا يتوكل على أحد غيره،ولا يلجأ إلى ملجأ سواه،ولا يعرف له سندا إلا إياه.
وأمر الاعتقاد في اللّه الواحد - إذن - ليس كما يزعم «علماء الدين المقارن» أنه تطور وترقى من التعديد إلى التثنية إلى التوحيد ومن عبادة الطواطم والأرواح والنجوم والكواكب إلى عبادة اللّه الواحد وأنه تطور وترقى كذلك بتطور وترقي التجربة البشرية والعلم البشري،وبتطور وترقي الأنظمة السياسية وانتهائها إلى الأوضاع الموحدة تحت سلطان واحد ...
إن الاعتقاد في اللّه الواحد جاءت به الرسالات منذ فجر التاريخ ولم تتغير هذه الحقيقة ولم تتبدل في رسالة واحدة من الرسالات ولا في دين واحد من الأديان السماوية.كما يقص علينا الحكيم الخبير.
ولو قال أولئك «العلماء» :إن قابلية البشرية لعقيدة التوحيد التي جاء بها الرسل كانت تترقى من عهد رسول إلى عهد رسول وإن الوثنيات الجاهلية كانت تتأثر بعقائد التوحيد المتوالية التي كان موكب الرسل الكرام يواجه بها هذه الوثنيات حينا بعد حين.حتى جاء زمان كانت عقيدة التوحيد أكثر قبولا لدى جماهير الناس مما كانت،بفعل توالي رسالات التوحيد وبفعل العوامل الأخرى التي يفردونها بالتأثير ...لو قال أولئك «العلماء» قولا كهذا لساغ ..ولكنهم إنما يتأثرون بمنهج في البحث يقوم ابتداء على قاعدة من العداء الدفين القديم للكنيسة في أوربا - حتى ولو لم يلحظه العلماء المعاصرون! - ومن الرغبة الخفية - الواعية أو غير الواعية - في تحطيم المنهج الديني في التفكير وإثبات أن الدين لم