فهرس الكتاب

الصفحة 2797 من 4997

ويجمع السياق بين الإيمان بوحدة اللّه والإيمان بالآخرة.بل يجعل إحداهما دالة على الأخرى لارتباط عبادة اللّه الواحد بعقيدة البعث والجزاء.فبالآخرة تتم حكمة الخالق الواحد ويتجلى عدله في الجزاء .

«إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» وكل ما سبق في السورة من آيات الخلق وآيات النعمة وآيات العلم يؤدي إلى هذه الحقيقة الكبيرة البارزة،الواضحة الآثار في نواميس الكون وتناسقها وتعاونها كما سلف الحديث.فالذين لا يسلمون بهذه الحقيقة،ولا يؤمنون بالآخرة - وهي فرع عن الاعتقاد بوحدانية الخالق وحكمته وعدله - هؤلاء لا تنقصهم الآيات ولا تنقصهم البراهين،إنما تكمن العلة في كيانهم وفي طباعهم.إن قلوبهم منكرة جاحدة لا تقر بما ترى من الآيات،وهم مستكبرون لا يريدون التسليم بالبراهين والاستسلام للّه والرسول.فالعلة أصيلة والداء كامن في الطباع والقلوب!.

واللّه الذي خلقهم يعلم ذلك منهم.فهو يعلم ما يسرون وما يعلنون.يعلمه دون شك ولا ريب ويكرهه فيهم. «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ» فالقلب المستكبر لا يرجى له أن يقتنع أو يسلم.ومن ثم فهم مكروهون من اللّه لاستكبارهم الذي يعلمه من يعلم حقيقة أمرهم ويعلم ما يسرون وما يعلنون.

«وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا:أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ،أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ» .

هؤلاء المستكبرون ذو والقلوب المنكرة التي لا تقتنع ولا تستجيب إذا سئلوا: «ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟» لم يجيبوا الجواب الطبيعي المباشر،فيتلوا شيئا من القرآن أو يلخصوا فحواه،فيكونوا أمناء في النقل،ولو لم يعتقدوه.إنما هم يعدلون عن الجواب الأمين فيقولون: «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» والأساطير هي الحكايات الوهمية الحافلة بالخرافة ..وهكذا يصفون هذا القرآن الذي يعالج النفوس والعقول،ويعالج أوضاع الحياة وسلوك الناس وعلاقات المجتمع وأحوال البشر في الماضي والحاضر والمستقبل.هكذا يصفونه لما يحويه من قصص الأولين.وهكذا يؤدي بهم ذلك الإنكار والاستهتار إلى حمل ذنوبهم وشطر من ذنوب الذين يضلونهم بهذا القول،ويصدونهم عن القرآن والإيمان،وهم جاهلون به لا يعلمون حقيقته ..ويصور التعبير هذه الذنوب أحمالا ذات ثقل - وساءت أحمالا وأثقالا! - فهي توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور،وهي تثقل القلوب،كما تثقل الأحمال العواتق،وهي تتعب وتشقي كما تتعب الأثقال حامليها بل هي أدهى وأنكى!

روى ابن أبي حاتم عَنْ السُّدِّيِّ قَالَ:"اجتمعت قريش، فقالوا:إِنَّ محمدًا رجل حلو اللسان، إِذَا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظروا أناسًا مِنَ اشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم في كُلّ طَرِيق مِنْ طرق مكة عَلَى رأس كُلّ ليلة أو ليلتين، فمن جاء يريده فردوه عنه، فخرج ناس منهم في كُلّ طَرِيق، فكان إِذَا أقبل الرجل وافدًا لقومه ينظر مَا يَقُولُ مُحَمَّد، فينزل بهم، قالوا لَهُ:أنا فلان ابن فلان، فيعرفه بنسبه، ويقول:أنا أخبرك عَنْ مُحَمَّد، فلا يريد إِنَّ يَعْنِي إليه، هُوَ رجل كذاب، لَمْ يتبعه عَلَى أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه، وأما شيوخ قَوْمِهِ وخيارهم، فمفارقون لَهُ فيرجع أحدهم،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت