الواقعة شيئا وكونها كشفا وتجلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة قصيرة ..
والذين يدركون شيئا من طبيعة القدرة الإلهية ومن طبيعة النبوة لا يستغربون في الواقعة شيئا.فأمام القدرة الإلهية تتساوى جميع الأعمال التي تبدو في نظر الإنسان وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوره متفاوتة السهولة والصعوبة،حسب ما اعتاده وما رآه.والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى قدرة اللّه.
أما طبيعة النبوة فهي اتصال بالملأ الأعلى - على غير قياس أو عادة لبقية البشر - وهذه التجلية لمكان بعيد،أو عالم بعيد والوصول إليه بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الاتصال بالملأ الأعلى والتلقي عنه.وقد صدق أبوبكر - رضي اللّه عنه - وهو يرد المسألة المستغربة المستهولة عند القوم إلى بساطتها وطبيعتها فيقول:إني لأصدقه بأبعد من ذلك.أصدقه بخبر السماء! [1]
ومما يلاحظ - بمناسبة هذه الواقعة وتبين صدقها للقوم بالدليل المادي الذي طلبوه يومئذ في قصة العير وصفتها - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع لتخوف أم هانىء - رضي اللّه عنها - من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة.فإن ثقة الرسول بالحق الذي جاء به،والحق الذي وقع له،جعلته يصارح القوم بما رأى كائنا ما كان رأيهم فيه.وقد ارتد بعضهم فعلا،واتخذها بعضهم مادة للسخرية والتشكيك.ولكن هذا كله لم يكن ليقعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الجهر بالحق الذي آمن به ..وفي هذا مثل لأصحاب الدعوة أن يجهروا بالحق لا يخشون وقعه في نفوس الناس،ولا يتملقون به القوم،ولا يتحسسون مواضع الرضى والاستحسان،إذا تعارضت مع كلمة الحق تقال.
كذلك يلاحظ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يتخذ من الواقعة معجزة لتصديق رسالته،مع إلحاح القوم في طلب الخوارق - وقد قامت البينة عندهم على صدق الإسراء على الأقل - ذلك أن هذه الدعوة لا تعتمد على الخوارق،إنما تعتمد على طبيعة الدعوة ومنهاجها المستمد من الفطرة القويمة،المتفقة مع المدارك بعد تصحيحها وتقويمها.فلم يكن جهر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالواقعة ناشئا عن اعتماده عليها في شيء من رسالته.إنما كان جهرا بالحقيقة المستيقنة له لمجرد أنها حقيقة [2]
(1) - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،قَالَتْ:لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ،فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ،وَسَعَى رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،فَقَالُوا:هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكِ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؟ قَالَ:أَوَقَالَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا:نَعَمْ،قَالَ:لَئِنْ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ،قَالُوا:أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ ؟ فَقَالَ:نَعَمْ،إِنِّي لأَصُدِّقُهُ بما هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ فِي خَبَرِ السَّمَاءِ فِي غُدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ،فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ".المستدرك للحاكم مشكلا [4 /72] (4458) صحيح"
(2) - بعد كل محنة منحة، وقد تعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمحن عظيمة، فهذه قريش قد سدت الطريق في وجه الدعوة في مكة، وفي ثقيف وفي قبائل العرب، وأحكمت الحصار ضد الدعوة ورجالاتها من كل جانب، وأصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطر بعد وفاة عمه أبي طالب أكبر حُماته، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماضٍ في طريقه، صابر لأمر ربه، لا تأخذه في الله لومة لائم ولا حرب محارب، ولا كيد مستهزئ فقد آن الأوان للمنحة العظيمة، فجاءت حادثة الإسراء والمعراج على قدر من رب العالمين، فيعرج به من دون الخلائق جميعًا، ويكرمه على صبره وجهاده، ويلتقي به مباشرة دون رسول ولا حجاب، ويطلعه على عوالم الغيب دون الخلق كافة، ويجمعه مع إخوانه من الرسل في صعيدٍ واحد، فيكون الإمام والقدوة لهم وهو خاتمهم وآخرهم . انظر:التربية القيادية، (1/447) .
*- إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان مُقدمًا على مرحلة جديدة، مرحلة الهجرة، والانطلاق لبناء الدولة، يريد الله تعالى لِلَّبِنَات الأولى في البناء أن تكون سليمة قوية متراصة متماسكة، فجعل الله هذا الاختبار والتمحيص، ليخلص الصف من الضعاف المترددين، والذين في قلوبهم مرض، ويثبت المؤمنين الأقوياء الخلص الذين لمسوا عيانا صدق نبيهم بعد أن لمسوه تصديقًا، وشهدوا مدى كرامته على ربه، فأي حظ يحوطهم وأي سعد يغمرهم وهم حول هذا النبي المصطفى وقد آمنوا به، وقدموا حياتهم فداء له ولدينهم، كم يترسخ الإيمان في قلوبهم أمام هذا الحدث الذي تم بعد وعثاء الطائف، وبعد دخول مكة بجوارٍ وبعد أذى الصبيان والسفهاء. انظر:التربية القيادية، (1/451) .
*- إن شجاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - العالية تتجسد في مواجهته للمشركين بأمر تنكره عقولهم ولا تدركه في أول الأمر تصوراتهم، ولم يمنعه من الجهر به الخوف من مواجهتهم، وتلقي نكيرهم واستهزائهم فضرب بذلك - صلى الله عليه وسلم - لأمته أروع الأمثلة في الجهر بالحق أمام أهل الباطل، وإن تحزبوا ضد الحق وجندوا لحربه كل ما في وسعهم، وكان من حكمة النبي - صلى الله عليه وسلم - في إقامة الحجة على المشركين بأن حدثهم عن إسرائه إلى بيت المقدس، وأظهر الله له علامات تلزم الكفار بالتصديق .
*- يظهر إيمان الصديق رضي الله عنه القوي في هذا الحدث الجلل، فعندما أخبره الكفار قال بلسان الواثق، لئن كان قال ذلك لقد صدق، ثم قال:إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، وبهذا استحق لقب الصديق، وهذا منتهى الفقه واليقين، حيث وازن بين هذا الخبر ونزول الوحي من السماء، فبين لهم أنه إذا كان غريبا على الإنسان العادي فإنه في غاية الإمكان بالنسبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - . انظر:التاريخ الإسلامي للحميدي (3/43) .
*- إن شرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللبن حين خير بينه وبين الخمر، وبشارة جبريل عليه الصلاة والسلام:هديت للفطرة، تؤكد أن هذا الإسلام دين الفطرة البشرية التي ينسجم معها، فالذي خلق الفطرة البشرية خلق لها هذا الدين الذي يلبي نوازعها واحتياجاتها، ويحقق طموحاتها ويكبح جماحها ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) [الروم:30] .
*- إن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأنبياء دليل على أنهم سلموا له بالقيادة والريادة، وأن شريعة الإسلام نسخت الشرائع السابقة، وأنه وسع أتباع هؤلاء الأنبياء ما وسع أنبياءَهم أن يسلموا بالقيادة لهذا الرسول ولرسالته التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
إن على الذين يعقدون مؤتمرات التقارب بين الأديان أن يدركوا هذه الحقيقة، ويدعوا إليها، وهي ضرورة الانخلاع عن الديانات المنحرفة، والإيمان بهذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورسالته، وعليهم أن يدركوا حقيقة هذه الدعوات المشبوهة، التي تخدم وضعًا من الأوضاع أو نظامًا من الأنظمة الجاهلية. السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث [1 /341]