فهرس الكتاب

الصفحة 2899 من 4997

يعصمه من اللّه.هذه المحاولات التي عصم اللّه منها رسوله،هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائما.

محاولة إغرائهم لينحرفوا - ولو قليلا - عن استقامة الدعوة وصلابتها.ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة.ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هينا،فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية،إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق.وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة،فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها!

ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق.وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير،وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل،لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة.لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء! والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها.فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر،والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل،لا يمكن أن يكون مؤمنا بدعوته حق الإيمان.فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر.وليس فيها فاضل ومفضول.وليس فيها ضروري ونافلة.وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه،وهي كلّ متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه.كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره! وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات.فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم،وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة،وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها! والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة.واللّه وحده هو الذي يعتمد عيه المؤمنون بدعوتهم.ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة،فلن تنقلب الهزيمة نصرا!

لذلك امتن اللّه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن ثبته على ما أوحى اللّه،وعصمه من فتنة المشركين له،ووقاه الركون إليهم - ولو قليلا - ورحمه من عاقبة هذا الركون،وهي عذاب الدنيا والآخرة مضاعفا،وفقدان المعين والنصير.

وعند ما عجز المشركون عن استدراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الفتنة حاولوا استفزازه من الأرض - أي مكة - ولكن اللّه أوحى إليه أن يخرج هو مهاجرا،لما سبق في علمه من عدم إهلاك قريش بالإبادة.ولو أخرجوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنوة وقسرا لحل بهم الهلاك «وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا» فهذه هي سنة اللّه النافذة: «سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا،وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا» .

ولقد جعل اللّه هذه سنة جارية لا تتحول،لأن إخراج الرسل كبيرة تستحق التأديب الحاسم.وهذا الكون تصرفه سنن مطردة،لا تتحول أمام اعتبار فردي.وليست المصادفات العابرة هي السائدة في هذا الكون،إنما هي السنن المطردة الثابتة.فلما لم يرد اللّه أن يأخذ قريشا بعذاب الإبادة كما أخذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت