ويسدل الستار على هذا المشهد.ثم يرفع لنسمع الجدل حول أصحاب الكهف - على عادة الناس يتناقلون الروايات والأخبار،ويزيدون فيها وينقصون،ويضيفون إليها من خيالهم جيلا بعد جيل،حتى تتضخم وتتحول،وتكثر الأقاويل حول الخبر الواحد أو الحادث الواحد كلما مرت القرون:
« سَيَقُولُونَ:ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ،وَيَقُولُونَ:خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ - رَجْمًا بِالْغَيْبِ،وَيَقُولُونَ:سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.قُلْ:رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ.ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ.فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا،وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا» ..
فهذا الجدل حول عدد الفتية لا طائل وراءه.وإنه ليستوي أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة،أو أكثر.وأمرهم موكول إلى اللّه،وعلمهم عند اللّه.وعند القليلين الذين تثبتوا من الحادث عند وقوعه أو من روايته الصحيحة.فلا ضرورة إذن للجدل الطويل حول عددهم.والعبرة في أمرهم حاصلة بالقليل وبالكثير.لذلك يوجه القرآن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ترك الجدل في هذه القضية،وإلى عدم استفتاء أحد من المتجادلين في شأنهم.تمشيا مع منهج الإسلام في صيانة الطاقة العقلية أن تبدد في غير ما يفيد.
وفي ألا يقفو المسلم ما ليس له به علم وثيق.وهذا الحادث الذي طواه الزمن هو من الغيب الموكول إلى علم اللّه،فليترك إلى علم اللّه.
وبمناسبة النهي عن الجدل في غيب الماضي،يرد النهي عن الحكم على غيب المستقبل وما يقع فيه فالإنسان لا يدري ما يكون في المستقبل حتى يقطع برأي فيه: «وَلا تَقُولَنَّ لِشَيء:إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا - إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ - وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ،وَقُلْ:عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا» ..
إن كل حركة وكل نأمة،بل كل نفس من أنفاس الحي،مرهون بإرادة اللّه.وسجف الغيب مسبل يحجب ما وراء اللحظة الحاضرة وعين الإنسان لا تمتد إلى ما وراء الستر المسدل وعقله مهما علم قاصر كليل.فلا يقل إنسان:إني فاعل ذلك غدا.وغدا في غيب اللّه وأستار غيب اللّه دون العواقب.
وليس معنى هذا أن يقعد الإنسان،لا يفكر في أمر المستقبل ولا يدبر له وأن يعيش يوما بيوم،لحظة بلحظة.وألا يصل ماضي حياته بحاضره وقابله ..كلا.ولكن معناه أن يحسب حساب الغيب وحساب المشيئة التي تدبره وأن يعزم ما يعزم ويستعين بمشيئة اللّه على ما يعزم،ويستشعر أن يد اللّه فوق يده،فلا يستبعد أن يكون للّه تدبير غير تدبيره.فإن وفقه اللّه إلى ما اعتزم فبها.وإن جرت مشيئة اللّه بغير ما دبر لم يحزن ولم ييأس،لأن الأمر للّه أولا وأخيرا.فليفكر الإنسان وليدبر ولكن ليشعر أنه إنما يفكر بتيسير اللّه،ويدبر بتوفيق اللّه،وأنه لا يملك إلا ما يمده اللّه به من تفكير وتدبير.ولن يدعو هذا إلى كسل أو تراخ،أو ضعف أو فتور بل على العكس يمده بالثقة والقوة والاطمئنان والعزيمة.فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير للّه غير تدبيره،فليتقبل قضاء اللّه بالرضى والطمأنينة والاستسلام.لأنه الأصل الذي كان مجهولا له فكشف عنه الستار.