وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ،عَنْ أَبِيهِ،عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو،قَالَ:لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ،قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا،فَقَالَ:يَا أَيُّهَا النَّاسُ،إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ،فَإِنَّ الإِِسْلاَمَ لَمْ يَزِدْهُ إِلاَّ شِدَّةً،وَلاَ حِلْفَ فِي الإِِسْلاَمِ،وَالْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ،تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ،يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ،وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ،تُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدِهِمْ،لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ،دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ،لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ،وَلاَ تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلاَّ فِي دِيَارِهِمْ. [1]
يسعى بذمتهم أدناهم،فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد،ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم،عن محمد وطلحة وأبى عمرو وأبى سفيان والمهلّب،قالوا:لما فرغ أبو سبرة من السّوس خرج في جنده حتى نزل على جندى سابور،وزرّ بن عبد الله بن كليب محاصرهم؛ فأقاموا عليها يغادنهم ويراوحونهم القتال؛ فما زالوا مقيمين عليها حتى رمى إليهم بالأمان من عسكر المسلمين،وكان فتحها وفتح نهاوند في مقدار شهرين،فلم يفجأ المسلمين إلاّ وأبوابها تفتح،ثمّ خرج السّرح،وخرجت الأسواق،وانبثّ أهلها،فأرسل المسلمون:أن مالكم؟ قالوا:رميتم إلينا بالأمان فقبلناه،وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمتعونا.فقالوا:ما فعلنا،فقالوا:ما كذبنا،فسأل المسلمون فيما بينهم؛ فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها؛ هو الذي كتب لهم.فقالوا:إنما هو عبد،فقالوا:إنا لا نعرف حرّكم من عبدكم،قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه،ولم نبدّل؛ فإن شئتم فاغذروا.فأمسكوا عنهم،وكتبوا بذلك إلى عمر،فكتب إليهم:إنّ الله عظّم الوفاء،فلا تكونون أوفياء حتى تفوا،ما دمتم في شكّ أجيزوهم،وفوا لهم.فوفوا لهم،وانصرفوا عنهم [2] ...
وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة.وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين.
«وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ،نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..
وكان هذا مظهرا من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه.فلقد كان ضمن الميثاق الذي أخذه اللّه عليهم،أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه،وأن ينصروه ويحترموه.فلما جاءهم كتاب من عند اللّه مصدق لما معهم،خاسوا بذلك العهد،ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب اللّه وراء ظهورهم،يستوي في هذا النبذ كتاب اللّه الذي معهم،والذي يتضمن البشرى بهذا النبي وقد نبذوه،والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد نبذوه أيضا! وفي الآية ما فيها من سخرية خفية،يحملها ذلك النص على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم.فلو كانوا هم المشركين الأميين لكان نبذهم
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [2 /634] (6692) صحيح
(2) - تاريخ الرسل والملوك [2 /356] قوي