وإلى هنا كان موسى - ونحن الذين نتابع سياق القرآن - أمام مفاجآت متوالية لا نعلم لها سرا.وموقفنا منها كموقف موسى.بل نحن لا نعرف من هو هذا الذي يتصرف تلك التصرفات العجيبة،فلم ينبئنا القرآن باسمه،تكملة للجو الغامض الذي يحيط بنا.وما قيمة اسمه؟ إنما يراد به أن يمثل الحكمة الإلهية العليا،التي لا ترتب النتائج القريبة على المقدمات المنظورة،بل تهدف إلى أغراض بعيدة لا تراها العين المحدودة.فعدم ذكر اسمه يتفق مع الشخصية المعنوية التي يمثلها [1] .وإن القوى الغيبية لتتحكم في القصة منذ نشأتها.فها هو ذا موسى يريد أن يلقى هذا الرجل الموعود.فيمضي في طريقه ولكن فتاه ينسى غداءهما عند الصخرة،وكأنما نسيه ليعودا.فيجد هذا الرجل هناك.وكان لقاؤه يفوتهما لو سارا في وجهتهما،ولو لم تردهما الأقدار إلى الصخرة كرة أخرى ..كل الجو غامض مجهول،وكذلك اسم الرجل الغامض المجهول في سياق القرآن.
ثم يأخذ السر في التجلي .. «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ،فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا» .
فبهذا العيب نجت السفينة من أن يأخذها ذلك الملك الظالم غصبا.وكان الضرر الصغير الذي أصابها اتقاء للضرر الكبير الذي يكنه الغيب لها لو بقيت على سلامتها.
«وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا.فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا» ..فهذا الغلام الذي لا يبدو في حاضره ومظهره أنه يستحق القتل،قد كشف ستر الغيب عن حقيقته للعبد الصالح،فإذا هو في طبيعته كافر طاغ،تكمن في نفسه بذور الكفر والطغيان،وتزيد على الزمن بروزا وتحققا ..فلو عاش لأرهق والديه المؤمنين بكفره وطغيانه،وقادهما بدافع حبهما له أن يتبعاه في طريقه.فأراد اللّه ووجه إرادة عبده الصالح إلى قتل هذا الغلام الذي يحمل طبيعة كافرة طاغية،وأن يبدلهما اللّه خلفا خيرا منه،وأرحم بوالديه.
ولو كان الأمر موكولا إلى العلم البشري الظاهر،لما كان له إلا الظاهر من أمر الغلام،ولما كان له عليه من سلطان،وهو لم يرتكب بعد ما يستحق عليه القتل شرعا.وليس لغير اللّه ولمن يطلعه من عباده على شيء من غيبه أن يحكم على الطبيعة المغيبة لفرد من الناس.ولا أن يرتب على هذا العلم حكما غير حكم الظاهر الذي تأخذ به الشريعة.ولكنه أمر اللّه القائم على علمه بالغيب البعيد.
«وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ،وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما،وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا،فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما،رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ..ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا» ..فهذا الجدار الذي أتعب الرجل نفسه في إقامته،ولم يطلب عليه أجرا من أهل
(1) - قلت:قد ذكر اسمه في السنة النبوية المطهرة وهي المفسرة للقرآن الكريم،فيجب الرجوع لها حتما ،فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّمَا سُمِّىَ الْخَضِرُ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِىَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ » .صحيح البخارى- المكنز [12 /89] (3402 )