الأرض،ورفاتا يختلط بترابها،وغازا يختلط بهوائها.ومنها يبعث إلى الحياة الأخرى،كما خلق في النشأة الأولى.
وللتذكير بالأرض هنا مناسبة في مشهد الحوار مع فرعون الطاغية المتكبر،الذي يتسامى إلى مقام الربوبية وهو من هذه الأرض وإليها!
وهو شيء من الأشياء التي خلقها اللّه في الأرض وهداها إلى وظيفتها .. «وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى » أريناه الآيات الكونية التي وجهه إليها موسى - عليه السلام - فيما حوله،وآيتي العصا واليد يجملهما هنا لأنهما بعض آيات اللّه،وما في الكون منها أكبر وأبقى.لذلك لا يفصل السياق هنا عرض هاتين الآيتين على فرعون،فهذا مفهوم ضمنا،إنما يفصل رده على الآيات كلها فنفهم أنه يشير إليهما ..
«قالَ:أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ؟ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا
لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ،مَكانًا سُوىً.قالَ:مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى» ..
وهكذا لم يمض فرعون في الجدل،لأن حجة موسى - عليه السلام - فيه واضحة وسلطانه فيه قوي،وهو يستمد حجته من آيات اللّه في الكون،ومن آياته الخاصة معه ..إنما لجأ إلى اتهام موسى بالسحر الذي يجعل العصا حية تسعى،ويحيل اليد بيضاء من غير سوء.وقد كان السحر أقرب خاطر إلى فرعون لأنه منتشر في ذلك الوقت في مصر وهاتان الآيتان أقرب في طبيعتهما إلى المعروف من السحر ..وهو تخييل لا حقيقة،وخداع للبصر والحواس،قد يصل إلى خداع الإحساس،فينشىء فيه آثارا محسوسة كآثار الحقيقة.كما يشاهد من رؤية الإنسان لأشياء لا وجود لها،أو في صورة غير صورتها.وما يشاهد من تأثر المسحور أحيانا تأثرات عصبية وجسدية كما لو كان الأثر الواقع عليه حقيقة ..وليس من هذا النوع آيتا موسى.إنما هما من صنع القدرة المبدعة المحولة للأشياء حقا.تحويلا وقتيا أو دائما.
« قالَ:أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ؟» .ويظهر أن استعباد بني إسرائيل كان إجراء سياسيا خوفا من تكاثرهم وغلبتهم.وفي سبيل الملك والحكم لا يتحرج الطغاة من ارتكاب أشد الجرائم وحشية وأشنعها بربرية وأبعدها عن كل معاني الإنسانية وعن الخلق والشرف والضمير.ومن ثم كان فرعون يستأصل بني إسرائيل ويذلهم بقتل المواليد الذكور.واستبقاء الإناث وتسخير الكبار في الشاق المهلك من الأعمال ..فلما قال له موسى وهارون:أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم.قال: «أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ؟» لأن إطلاق بني إسرائيل تمهيد للاستيلاء على الحكم والأرض.وإذا كان موسى يطلب إطلاق بني إسرائيل لهذا الغرض،وكل ما يقدمه هو عمل من أعمال السحر،فما أسهل الرد عليه: «فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ» ..وهكذا يفهم الطغاة أن دعوى أصحاب العقائد إنما تخفي وراءها هدفا من أهداف هذه الأرض وأنها ليست سوى ستار للملك