فهرس الكتاب

الصفحة 3009 من 4997

وتتجلى رعاية اللّه لعباده المؤمنين كاملة حاسمة ..ولنفس الغرض لا يطيل هنا في مشهد الخروج والوقوف أمام البحر - كما يطيل في سور أخرى - بل يبادر بعرض مشهد النصر بلا مقدمات كثيرة.لأن مقدماته كانت في الضمائر والقلوب.

وإن هو إلا الإيحاء لموسى أن يخرج بعباد اللّه - بني إسرائيل - ليلا.فيضرب لهم طريقا في البحر يبسا بدون تفصيل ولا تطويل - فنعرضه نحن كذلك كما جاء - مطمئنا إلى أن عناية اللّه ترعاهم فلا يخاف أن يدركه فرعون وجنوده،ولا يخشى من البحر الذي اتخذ له طريقا يابسا فيه! ويد القدرة التي أجرت الماء وفق الناموس الذي أرادته قادرة على أن تكشفه بعض الوقت عن طريق يابس فيه! «فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ.وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى » ..

هكذا يجمل السياق كذلك ما غشي فرعون وقومه،ولا يفصله،ليبقى وقعه في النفس شاملا مهولا لا يحدده التفصيل،وقاد فرعون قومه إلى الضلال في الحياة كما قادهم إلى الضلال والبحر.وكلاهما ضلال يؤدي إلى البوار ..

ولا نتعرض نحن لتفصيلات ما حدث في هذا الموضع،كي نتابع السياق في حكمة الإجمال.إنما نقف أمام العبرة التي يتركها المشهد ونتسمع لإيقاعه في القلوب ..

لقد تولت يد القدرة إدارة المعركة بين الإيمان والطغيان فلم يتكلف أصحاب الإيمان فيها شيئا سوى اتباع الوحي والسرى ليلا.ذلك أن القوتين لم تكونا متكافئتين ولا متقاربتين في عالم الواقع ..موسى وقومه ضعاف مجردون من القوة،وفرعون وجنده يملكون القوة كلها.فلا سبيل إلى خوض معركة مادية أصلا.هنا تولت يد القدرة إدارة المعركة.ولكن بعد أن اكتملت حقيقة الإيمان في نفوس الذين لا يملكون قوة سواها.بعد أن استعلن الإيمان في وجه الطغيان لا يخشاه ولا يرجوه لا يرهب وعيده ولا يرغب في شيء مما في يده ..يقول الطغيان: «فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» فيقول الإيمان: «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ.إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا» ..عند ما بلغت المعركة بين الإيمان والطغيان في عالم القلب إلى هذا الحد تولت يد القدرة راية الحق لتعرفعها عالية،وتنكس راية الباطل بلا جهد من أهل الإيمان.وعبرة أخرى ..

إنه حين كان بنو إسرائيل يؤدون ضريبة الذل لفرعون وهو يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم لم تتدخل يد القدرة لإدارة المعركة.فهم لم يكونوا يؤدون هذه الضريبة إلا ذلا واستكانة وخوفا.فأما حين استعلن الإيمان،في قلوب الذين آمنوا بموسى واستعدوا لاحتمال التعذيب وهم مرفوعو الرؤوس يجهرون بكلمة الإيمان في وجه فرعون دون تلجلج ودون تحرج،ودون اتقاء للتعذيب.فأما عند ذلك فقد تدخلت يد القدرة لإدارة المعركة.وإعلان النصر الذي تم قبل ذلك في الأرواح والقلوب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت