ولقد حاروا كيف يصفون هذا القرآن وكيف يتقونه.فقالوا:إنه سحر.وقالوا:إنه أحلام مختلطة يراها محمد ويرويها.وقالوا:إنه شعر.وقالوا:إنه افتراه وزعم أنه وحي من عند اللّه: «بَلْ قالُوا:أَضْغاثُ أَحْلامٍ،بَلِ افْتَراهُ،بَلْ هُوَ شاعِرٌ» ..ولم يثبتوا على صفة له،ولا على رأي يرونه فيه،لأنهم إنما يتمحلون ويحاولون أن يعللوا أثره المزلزل في نفوسهم بشتى التعلات فلا يستطيعون فينتقلون من ادعاء إلى ادعاء،ومن تعليل إلى تعليل،حائرين غير مستقرين ..ثم يخلصون من الحرج بأن يطلبوا بدل القرآن خارقة من الخوارق التي جاء بها الأولون: «فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ» ..
ولقد جاءت الخوارق من قبل،فلم يؤمن بها من جاءتهم،فحل بهم الهلاك،وفقا لسنة اللّه التي لا تتخلف في إهلاك من يكذبون بالخوارق: «ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها» ..
ذلك أن من يبلغ به العناد ألا يؤمن بالخارقة المادية المحسوسة،لا يبقى له عذر،ولا يرجى له صلاح.
فيحق عليه الهلاك.
ولقد تكررت الآيات،وتكرر التكذيب بها،وتكرر كذلك إهلاك المكذبين ..فما بال هؤلاء سيؤمنون بالخارقة لو جاءتهم وهم ليسوا سوى بشر كهؤلاء الهالكين! «أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ» ..
«وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ،فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ،وَما كانُوا خالِدِينَ» ..فقد اقتضت حكمة اللّه أن يكون الرسل من البشر،يتلقون الوحي فيدعون به الناس.وما كان الرسل من قبل إلا رجالا ذوي أجساد.وما جعل اللّه لهم أجسادا ثم جعلهم لا يأكلون الطعام.فأكل الطعام من مقتضيات الجسدية،والجسدية من مقتضيات البشرية.وهم بحكم أنهم بشر مخلوقون لم يكونوا خالدين ..
هذه هي سنة اللّه المطردة فليسألوا أهل الكتاب الذين عرفوا الأنبياء من قبل.إن كانوا هم لا يعلمون.
لقد كان الرسل من البشر ليعيشوا حياة البشر فتكون حياتهم الواقعية مصداق شريعتهم.وسلوكهم العملي نموذجا حيا لما يدعون إليه الناس.فالكلمة الحية الواقعية هي التي تؤثر وتهدي،لأن الناس يرونها ممثلة في شخص مترجمة إلى حياة.
ولو كان الرسل من غير البشر لا يأكلون الطعام،ولا يمشون في الأسواق،ولا يعاشرون النساء.
ولا تعتلج في صدورهم عواطف البشر وانفعالاتهم لما كانت هناك وشيجة بينهم وبين الناس.فلا هم يحسون دوافع البشر التي تحركهم،ولا البشر يتأسون بهم ويقتدون.
وأيما داعية لا يحس مشاعر الذين يدعوهم ولا يحسون مشاعره،فإنه يقف على هامش حياتهم،لا يتجاوب معهم ولا يتجاوبون معه.ومهما سمعوا من قوله فلن يحركهم للعمل بما يقول.لما بينه وبينهم من قطيعة في الحس والشعور.