السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما.وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ؟ وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ،وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ.وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ».
إنها جولة في الكون المعروض للأنظار،والقلوب غافلة عن آياته الكبار،وفيها ما يحير اللب حين يتأمله بالبصيرة المفتوحة والقلب الواعي والحس اليقظ.
وتقريره أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقتا،مسألة جديرة بالتأمل،كلما تقدمت النظريات الفلكية في محاولة تفسير الظواهر الكونية،فحامت حول هذه الحقيقة التي أوردها القرآن الكريم منذ أكثر من ثلاث مائة وألف عام.
فالنظرية القائمة اليوم هي أن المجموعات النجمية - كالمجموعة الشمسية المؤلفة من الشمس وتوابعها ومنها الأرض والقمر ..كانت سديما.ثم انفصلت وأخذت أشكالها الكروية وأن الأرض كانت قطعة من الشمس ثم انفصلت عنها وبردت ..ولكن هذه ليست سوى نظرية فلكية.تقوم اليوم وقد تنقض غدا.وتقوم نظرية أخرى تصلح لتفسير الظواهر الكونية بفرض آخر يتحول إلى نظرية ..
ونحن - أصحاب هذه العقيدة - لا نحاول أن نحمل النص القرآني المستيقن على نظرية غير مستيقنة،تقبل اليوم وترفض غدا.لذلك لا نحاول في هذه الظلال أن نوفق بين النصوص القرآنية والنظريات التي تسمى علمية.وهي شيء آخر غير الحقائق العلمية الثابتة القابلة للتجربة كتمدد المعادن بالحرارة وتحول الماء بخارا وتجمده بالبرودة ..إلى آخر هذا النوع من الحقائق العلمية.وهي شيء آخر غير النظريات العلمية - كما بينا من قبل في الظلال - .
إن القرآن ليس كتاب نظريات علمية ولم يجىء ليكون علما تجريبيا كذلك.إنما هو منهج للحياة كلها.منهج لتقويم العقل ليعمل وينطلق في حدوده.ولتقويم المجتمع ليسمح للعقل بالعمل والانطلاق.دون أن يدخل في جزئيات وتفصيليات علمية بحتة.فهذا متروك للعقل بعد تقويمه وإطلاق سراحه.
وقد يشير القرآن أحيانا إلى حقائق كونية كهذه الحقيقة التي يقررها هنا: «أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما» ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد ورودها في القرآن.وإن كنا لا نعرف منه كيف كان فتق السماوات والأرض.أو فتق السماوات عن الأرض.ونتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة المجملة التي قررها القرآن.ولكننا لا نجري بالنص القرآني وراء أية نظرية فلكية،ولا نطلب تصديقا للقرآن في نظريات البشر.وهو حقيقة مستيقنة! وقصارى ما يقال:إن النظرية الفلكية القائمة اليوم لا تعارض المفهوم الإجمالي لهذا النص القرآني السابق عليها بأجيال! فأما شطر الآية الثاني: «وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» فيقرر كذلك حقيقة خطيرة.يعد العلماء كشفها وتقريرها أمرا عظيما.ويمجدون «دارون» لاهتدائه إليها! وتقريره أن الماء هو مهد الحياة الأول.