داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ.وَكُنَّا فاعِلِينَ.وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ،فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ؟».
«وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها،وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ.وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ،وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ،وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ» ..
وقصة الحرث التي حكم فيها داود وسليمان يقول الرواة في تفصيلها:
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ قَالَ:"كَرْمٌ قَدْ أَنْبَتَتْ عَنَاقِيدُهُ فَأَفْسَدَتْهُ الْغَنَمُ،قَالَ:فَقَضَى دَاوُدُ بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ:غَيْرَ هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ،قَالَ:وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ:تَدْفَعُ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ فَيَقُومُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ وَتَدْفَعُ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِ الْكَرْمِ فَيُصِيبَ مِنْهَا حَتَّى إِذَا عَادَ الْكَرْمُ كَمَا كَانَ دَفَعْتَ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِهِ،وَدَفَعْتَ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا" [1]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَوْلُهُ:وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِلَى قَوْلِهِ:وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ يَقُولُ:كُنَّا لِمَا حَكَمَا شَاهِدِينَ .وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى دَاوُدَ،أَحَدُهُمَا صَاحِبُ حَرْثٍ،وَالْآخَرُ صَاحِبُ غَنَمٍ،فَقَالَ صَاحِبُ الْحَرْثِ:إِنَّ هَذَا أَرْسَلَ غَنَمَهُ فِي حَرْثِي،فَلَمْ يُبْقِ مِنْ حَرْثِي شَيْئًا .فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ:اذْهَبْ،فَإِنَّ الْغَنَمَ كُلَّهَا لَكَ فَقَضَى بِذَلِكَ دَاوُدُ .وَمَرَّ صَاحِبُ الْغَنَمِ بِسُلَيْمَانَ،فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قَضَى بِهِ دَاوُدُ،فَدَخَلَ سُلَيْمَانُ عَلَى دَاوُدَ فَقَالَ:يَا نَبِيَّ اللَّهِ،إِنَّ الْقَضَاءَ سِوَى الَّذِي قَضَيْتَ .فَقَالَ:كَيْفَ ؟ قَالَ سُلَيْمَانُ:إِنَّ الْحَرْثَ لَا يَخْفَى عَلَى صَاحِبِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ فِي كُلِّ عَامٍ،فَلَهُ مِنْ صَاحِبِ الْغَنَمِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ أَوْلَادِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَشْعَارِهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَ الْحَرْثِ،فَإِنَّ الْغَنَمَ لَهَا نَسْلٌ فِي كُلِّ عَامٍ .فَقَالَ دَاوُدُ:قَدْ أَصَبْتَ،الْقَضَاءُ كَمَا قَضَيْتَ .فَفَهَّمَهَا اللَّهُ سُلَيْمَانَ" [2] ."
لقد اتجه داود في حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب الحرث.وهذا عدل فحسب.ولكن حكم سليمان تضمن مع العدل البناء والتعمير،وجعل العدل دافعا إلى البناء والتعمير.وهذا هو العدل الحي الإيجابي في صورته البانية الدافعة.وهو فتح من اللّه وإلهام يهبه من يشاء.
ولقد أوتي داود وسليمان كلاهما الحكمة والعلم: «وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا» ..وليس في قضاء داود من خطأ.ولكن قضاء سليمان كان أصوب،لأنه من نبع الإلهام.
ثم يعرض السياق ما اختص به كلا منهما.فيبدأ بالوالد: «وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ.وَكُنَّا فاعِلِينَ.وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ،فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ؟» .
(1) - الْمُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَاكِمِ (4103 ) حسن
(2) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ >> سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ >> الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي >> وَقَوْلُهُ:إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ >> ( 22571 ) فيه ضعف