والآن نجيء إلى الابتلاء بالضراء في قصة أيوب عليه السلام: «وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ،وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ،وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ،رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ» ..
وقصة ابتلاء أيوب من أروع قصص الابتلاء .والنصوص القرآنية تشير إلى مجملها دون تفصيل.وهي في هذا الموضع تعرض دعاء أيوب واستجابة اللّه للدعاء.لأن السياق سياق رحمة اللّه بأنبيائه،ورعايته لهم في الابتلاء .سواء كان الابتلاء بتكذيب قومهم لهم وإيذائهم،كما في قصص إبراهيم ولوط ونوح.أو بالنعمة في قصة داود وسليمان.أو بالضر كما في حال أيوب ..
وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف حاله: «أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ» ..ووصف ربه بصفته: «وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» .ثم لا يدعو بتغيير حاله،صبرا على بلائه،ولا يقترح شيئا على ربه،تأدبا معه وتوقيرا.
فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره بالبلاء،ولا يتململ من الضر الذي تضرب به الأمثال في جميع الأعصار [1] .بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه،فيدع الأمر كله إليه،اطمئنانا إلى علمه بالحال وغناه عن السؤال.
(1) - تكثر الأقوال وتبالغ الروايات في الضر الذي مس أيوب. حتى تقول:إنه مرض مرضا منفرا تحاشاه الناس بسببه وطرحوه خارج المدينة ..وليس وراء هذا القول من سند والرسالة تتنافى مع المرض المنفر. والظاهر من نصوص القرآن أنه أصيب بالضر في أهله ونفسه .. وفي هذا كفاية للابتلاء. (السيد رحمه الله )
قلت:وقد ذكر ابن كثير بعض هذه القصص المنفرة وسكت عليها وهي باطلة قطعا،انظر تفسير ابن كثير - دار طيبة [5 /360]
روى الطحاوي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِنَّ نَبِيَّ اللهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَبِثَ بِهِ بَلَاؤُهُ ثَمَانَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ، كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:تَعْلَمْ وَاللهِ، لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ:وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ:مِنْ ثَمَانَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللهُ، فَيَكْشِفُ مَا بِهِ، فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ، لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أَيُّوبُ صَلَوَاتُ اللهُ عَلَيْهِ:لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ غَيْرَ أَنَّ اللهَ قَدْ رَآنِي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ، فَيَذْكُرَانِ اللهَ تَعَالَى، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي، فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَذْكُرَا اللهَ إِلَّا فِي حَقٍّ، وَكَانَ يَخْرُجُ فِي حَاجَتِهِ، فَإِذَا قَضَاهَا، أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا، فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى أَيُّوبَ فِي مَكَانِهِ أَنِ { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } ،وَاسْتَبْطَأَتْهُ فَتَلَقَّتْهُ تَنْظُرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللهُ تَعَالَى جَدَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ:أَيْ بَارَكَ اللهُ فِيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللهِ هَذَا الْمُبْتَلَى؟ وَاللهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا، قَالَ:فَإِنِّي أَنَا هُوَ، وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ:أَنْدَرٌ لِلْقَمْحِ وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللهُ تَعَالَى سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الْقَمْحَ ذَهَبًا حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الْأُخْرَى فِي أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ". (صحيح)
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَسَأَلْتُ أَنَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي دَاوُدَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقُلْتُ لَهُ:هَلْ رَوَاهُ عَنْ عَقِيلٍ غَيْرُ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ؟ قَالَ:نَعَمْ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ:حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لَهُ مَا قَالَ:وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي، فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَذْكُرَا اللهَ إِلَّا فِي حَقٍّ، فَكَانَ مُحَالًا أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - فِي ذَلِكَ كَفَّارَةً عَنْ يَمِينٍ كَانَتْ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ حَالِفٍ بِيَمِينِ غَيْرِهِ بَعْدَ حَنْثِهِ فِيهَا، وَلَا قَبْلَ حَنْثِهِ فِيهَا وَهُوَ حَيٌّ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ عَلَى كَفَّارَةٍ عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي ذُكِرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ يَصْلُحُ أَنْ يُذْكَرَ، ثُمَّ عُدْنَا إِلَى الْكَفَّارَاتِ عَنِ الْأَشْيَاءِ مَا هِيَ؟ فَرَأَيْنَاهَا هِيَ التَّغْطِيَةُ لِمَا كَفَّرَتْ بِهِ عَنْهُ، وَكَانَتِ التَّغْطِيَةُ لِلْأَشْيَاءِ قَدْ يَكُونُ مِنْهَا فَنَاءُ تِلْكِ الْأَشْيَاءِ، كَمَثَلِ مَا يَبْذُرُهُ النَّاسُ فِي أَرْضِهِمْ، يَزْرَعُونَهُ فِيهَا، فَيُغَطُّونَهُ بِمَا يُلْقُونَ عَلَيْهِ مِنَ الطِّينِ، فَسَمُّوا بِذَلِكَ كُفَّارًا لِتَغْطِيَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } [الحديد:20] ، يَعْنِي الزِّرَاعَ لَهُ، لَا الْكُفَّارَ بِاللهِ تَعَالَى، وَلَا يَكُونُ نَبَاتُهُ إِلَّا بَعْدَ فَنَاءِ مَا كَانَ زُرِعَ فِي مَكَانِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ بَقَاؤُهُمَا وَظُهُورُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، كَمِثْلِ مَا قِيلَ:
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
أَيْ:غَطَّى نُجُومَهَا الَّتِي قَدْ ظَهَرَتْ . وَكَانَ أَحْسَنَ مَا حَضَرْنَا فِي تَأْوِيلِ مَا قَالَ أَيُّوبُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ خِطَابِ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ مَا كَانَ مِمَّا خَلَطَا ذِكْرَ اللهِ بِمَا لَا يَصْلُحُ ذِكْرُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، كَانَ ذَلِكَ خَطِيئَةً قَدْ ظَهَرَتْ، وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْخَطَايَا، فَلَمْ تُغَيَّرْ، عَذَّبَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ .
فعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:وَهُوَ ابْنُ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُهْلِكُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إِذَا رَأَوَا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَلَمْ يُغَيِّرُوا عَذَّبَ اللهُ تَعَالَى الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ"قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَلَمَّا عَادَ مَا كَانَ مِنْ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ إِلَى مَا يُؤْخَذُ بِهِ الْعَامَّةُ، تَلَافَاهُ أَيُّوبُ بِمَا يَدْفَعُ وُقُوعَ عَذَابِ اللهِ مِنَ الصَّدَقَةِ الَّتِي تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، وَتَدْفَعُ الْعُقُوبَاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ قَدْ كَانَتْ لَهُمَا فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْكَفَّارَةُ تُغَطِّي تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ تَغْطِيَةً فِيهَا فَنَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ اكْتَسَبَاهَا لَمْ يَدْخُلَا فِي ذَلِكَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [الأنفال:33] ، فَأَعْلَمَهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ يَرْفَعُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ، بِاسْتِغَفَارِهِمْ إِيَّاهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفَارُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، مِمَّا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَانَ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنْ بَعْضِهِمْ، فَرُفِعَتْ بِهِ الْعُقُوبَةُ عَمَّنْ كَانَتْ مِنْهُ تِلْكَ الْمَعَاصِي، وَعَمَّنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ، فَهَذَا أَحْسَنُ مَا حَضَرَنَا مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي يَحْتَمِلُهَا مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالْحَقِيقَةِ كَانَتْ فِي ذَلِكَ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ".شرح مشكل الآثار [11 /535] (4593 -4597 ) "