فهرس الكتاب

الصفحة 3059 من 4997

سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» [1] .فاستجاب اللّه دعاءه،ونجاه من الغم الذي هو فيه.ولفظه الحوت على الساحل.ثم كان من أمره ما يفصله في سورة الصافات.فحسبنا هذا في هذا السياق.

إن في هذه الحلقة من قصة يونس - عليه السلام - لفتات ولمسات نقف أمامها لحظات.

إن يونس لم يصبر على تكاليف الرسالة،فضاق صدرا بالقوم،وألقى عبء الدعوة،وذهب مغاضبا،ضيق الصدر،حرج النفس فأوقعه اللّه في الضيق الذي تهون إلى جانبه مضايقات المكذبين.ولولا أن ثاب إلى ربه! واعترف بظلمه لنفسه ودعوته وواجبه.لما فرج اللّه عنه هذا الضيق.ولكنها القدرة حفظته ونجته من الغم الذي يعانيه.

وأصحاب الدعوات لا بد أن يحتملوا تكاليفها،وأن يصبروا على التكذيب بها،والإيذاء من أجلها.

وتكذيب الصادق الواثق مرير على النفس حقا.ولكنه بعض تكاليف الرسالة.فلا بد لمن يكلفون حمل الدعوات أن يصبروا ويحتملوا،ولا بد أن يثابروا ويثبتوا.ولا بد أن يكرروا الدعوة ويبدئوا فيها ويعيدوا.

إنهم لا يجوز لهم أن ييأسوا من صلاح النفوس واستجابة القلوب،مهما واجهوا من إنكار وتكذيب،ومن عتو وجحود.فإذا كانت المرة المائة لم تصل إلى القلوب،فقد تصل المرة الواحدة بعد المائة ..وقد تصل المرة الواحدة بعد الألف ..ولو صبروا هذه المرة وحاولوا ولم يقنطوا لتفتحت لهم أرصاد القلوب! إن طريق الدعوات ليس هينا لينا.واستجابة النفوس للدعوات ليست قريبة يسيرة.فهناك ركام من الباطل والضلال والتقاليد والعادات،والنظم والأوضاع،يجثم على القلوب.ولا بد من إزالة هذا الركام.

ولا بد من استحياء القلوب بكل وسيلة.ولا بد من لمس جميع المراكز الحساسة.ومن محاولة العثور على العصب الموصل ..وإحدى اللمسات ستصادف مع المثابرة والصبر والرجاء.ولمسة واحدة قد تحول الكائن البشري تحويلا تاما في لحظة متى أصابت اللمسة موضعها.وإن الإنسان ليدهش أحيانا

(1) - عَنِ سَعْدٍ،قَالَ:مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ،فَمَلأ عَيْنَيْهِ مِنِّي ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلامَ،فَأَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ،فَقُلْتُ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،هَلْ حَدَثَ فِي الإِِسْلامِ شَيْءٌ ؟ مَرَّتَيْنِ قَالَ:لاَ،وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ:قُلْتُ:لاَ . إِلاَّ أَنِّي مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ آنِفًا فِي الْمَسْجِدِ،فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَمَلأ عَيْنَيْهِ مِنِّي،ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلامَ . قَالَ:فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى عُثْمَانَ فَدَعَاهُ،فَقَالَ:مَا مَنَعَكَ أَنْ لاَ تَكُونَ رَدَدْتَ عَلَى أَخِيكَ السَّلامَ ؟ قَالَ عُثْمَانُ:مَا فَعَلْتُ قَالَ سَعْدٌ:قُلْتُ:بَلَى . قَالَ:حَتَّى حَلَفَ وَحَلَفْتُ،قَالَ:ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ ذَكَرَ،فَقَالَ:بَلَى،وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ إِنَّكَ مَرَرْتَ بِي آنِفًا،وَأَنَا أُحَدِّثُ نَفْسِي بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، لاَ وَاللَّهِ مَا ذَكَرْتُهَا قَطُّ إِلاَّ تَغَشَّى بَصَرِي وَقَلْبِي غِشَاوَةٌ،قَالَ:قَالَ سَعْدٌ:فَأَنَا أُنْبِئُكَ بِهَا:إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَ لَنَا أَوَّلَ دَعْوَةٍ،ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَشَغَلَهُ حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَاتَّبَعْتُهُ فَلَمَّا أَشْفَقْتُ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَى مَنْزِلِهِ،ضَرَبْتُ بِقَدَمِي الأَرْضَ،فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:فَقَالَ:مَنْ هَذَا أَبُو إِسْحَاقَ ؟ قَالَ:قُلْتُ:نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ . قَالَ:فَمَهْ،قَالَ:قُلْتُ:لاَ وَاللَّهِ،إِلاَّ أَنَّكَ ذَكَرْتَ لَنَا أَوَّلَ دَعْوَةٍ ثُمَّ جَاءَ هَذَا الأَعْرَابِيُّ فَشَغَلَكَ،قَالَ:نَعَمْ دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ لَهُ.مسند أحمد (عالم الكتب) [1 /463] ( 1462) صحيح لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت