يُعْرَضُ لَهُ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَاسْتَحَبَّ الْبَلاءَ عَلَى الْعَافِيَةِ، وَقَالَ:أَمَا مَنْ كَانَ فِي عَهْدِ اللَّهِ وَذِمَّتَهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ الَّذِي اخْتَارَ لأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَهُوَ خَائِفٌ مُبْتَلًى بِالشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ عَمَدَ إِلَى الْوَلِيدِ بن الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ:يَا ابْنَ عَمٍّ، قَدْ أَجَرْتَنِي فَأَحْسَنْتَ جِوَارِي، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُخْرِجَنِي إِلَى عَشِيرَتِكَ فَتَبْرَأَ مِنِّي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ:ابْنَ أَخِي، لَعَلَّ أَحَدًا آذَاكَ وَشَتَمَكَ وَأَنْتَ فِي ذِمَّتِي فَأَنْتَ تُرِيدُ مَنْ هُوَ أَمْنَعُ لَكَ مِنِّي فَأَكْفِيكَ ذَلِكَ؟ قَالَ:لا وَاللَّهِ مَا بِي ذَلِكَ، وَمَا اعْتَرَضَ لِي مِنْ أَحَدٍ، فَلَمَّا أَبَى عُثْمَانُ إِلا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ الْوَلِيدُ أَخْرَجَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ كَأَحْفَلِ مَا كَانُوا، وَلَبِيدُ بن رَبِيعَةَ الشَّاعِرُ يُنْشِدُهُمْ، فَأَخَذَ الْوَلِيدُ بِيَدِ عُثْمَانَ فَأَتَى بِهِ قُرَيْشًا، فَقَالَ:إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي، وَحَمَلَنِي عَلَى أَنْ أَبْرَأَ إِلَيْهِ مِنْ جِوَارِي، أُشْهِدُكُمْ أَنَّي مِنْهُ بَرِيءٌ، فَجَلَسَا مَعَ الْقَوْمِ، وَأَخَذَ لَبِيدُ يُنْشِدُهُمْ، فَقَالَ:أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ:صَدَقْتَ، ثُمَّ إِنَّ لَبِيدَ أَنْشَدَهُمْ تَمَامَ الْبَيْتِ:وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحَالَةَ زَائِلٌ، فَقَالَ:كَذَبْتَ فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَدْرُوا مَا أَرَادَ بِكَلِمَتِهِ، ثُمَّ أَعَادَهَا الثَّانِيَةَ وَأَمَرَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا، قَالهَا، قَالَ مِثْلَ كَلِمَتِهِ الأُولَى وَالآخِرَةِ صَدَّقَهُ مَرَّةً، وَكَذَّبَهُ مَرَّةً، وَإِنَّمَا يُصَدِّقُهُ إِذَا ذَكَرَ كُلَّ شَيْءٍ يَفْنَى، وَإِذَا، قَالَ:كُلُّ نَعِيمٍ ذَاهِبٌ كَذَّبَهُ عِنْدَ ذَلِكَ:إِنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لا يَزُولُ، نَزَعَ عِنْدَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَطَمَ عَيْنَ عُثْمَانَ بن مَظْعُونٍ فَاخْضَرَّتْ مَكَانَهَا، فَقَالَ الْوَلِيدُ بن الْمُغِيرَةِ وَأَصْحَابُهُ:قَدْ كُنْتَ فِي ذِمَّةٍ مَانِعَةٍ مَمْنُوعَةٍ، فَخَرَجْتَ مِنْهَا إِلَى هَذَا، وَكُنْتَ عَمَّا لَقِيتَ غَنِيًّا، ثُمَّ ضَحِكُوا، فَقَالَ عُثْمَانُ:بَلْ كُنْتُ إِلَى هَذَا الَّذِي لَقِيتُ مِنْكُمْ فَقِيرًا، وَعَيْنِي الَّتِي لَمْ تُلْطَمْ إِلَى مِثْلِ هَذَا الَّذِي لَقِيَتْ صَاحِبَتُهَا فَقِيرَةٌ، لِي فِيمَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكُمْ أُسْوَةٌ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ:إِنْ شِئْتَ أَجَرْتُكَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ:لا أَرَبَ لِي فِي جِوَارِكَ" [1] ."
وعَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي قَالَ:"ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا ائْتَمَرَتْ رَوِيَّتَهُمْ وَاشْتَدَّ مَكْرُهُمْ،وَهَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ إِخْرَاجِهِ حِينَ رَأَوْا أَصْحَابَهُ يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ،فَعَرَضُوا عَلَى قَوْمِهِ أَنْ يُعْطُوهُمْ دِيَتَهُ وَيَقْتُلُوهُ،فَ أَبَى ذَلِكَ قَوْمُهُ وَمَنَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ بِحَمِيَّةِ رَهْطِهِ،وَاشْتَدُّوا عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِ اللَّهِ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ،فَكَانَتْ فِتْنَةً شَدِيدَةً وَزِلْزَالًا شَدِيدًا،فَمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ،وَمِنْهُمْ مَنِ افْتُتِنَ،فَلَمَّا فُعِلَ بِالْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ دَخَلَ الشِّعْبَ مَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِالْخُرُوجِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ .وَكَانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ النَّجَاشِيُّ لَا يُظْلَمُ بِأَرْضِهِ أَحَدٌ،وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ خَيْرًا،فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا عَامَّتُهُمْ حِينَ قُهِرُوا وَخَافُوا الْفِتْنَةَ،وَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يَبْرَحْ،وَذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ،وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ،وَأَنَّهُمْ خَرَجُوا مَرَّتَيْنِ،ثُمَّ رَجَعَ الَّذِينَ خَرَجُوا الْمَرَّةَ الْأُولَى قَبْلَ خُرُوجِ جَعْفَرِ وَأَصْحَابِهِ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ سُورَةَ النَّجْمِ،وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ:لَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَذْكُرُ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ"
(1) - المعجم الكبير للطبراني [7 /413] ( 8237 ) هذا خبر منكر جدا ومرسل ولا يحتمل من ابن لهيعة