يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى،أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ! أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى،فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى؟ وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى؟ وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى؟ كَلَّا! إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ...» [1] .
وبهذا رد اللّه للدعوة موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة.وصحح تصرف رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الذي دفعته إليه،رغبته في هداية صناديد قريش،طمعا في إسلام من وراءهم وهم كثيرون.فبين اللّه له:أن استقامة الدعوة على أصولها الدقيقة أهم من إسلام أولئك الصناديد.وأبطل كيد الشيطان من الدخول إلى العقيدة من هذه الثغرة،وأحكم اللّه آياته.واطمأنت إلى هذا البيان قلوب المؤمنين.
ولقد كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يكرم ابن أم مكتوم.ويقول إذا رآه: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» ويقول له: «هل لك من حاجة» واستخلفه على المدينة مرتين [2] .
كذلك وقع ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،قَالَ:كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ،فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ:اطْرُدْ هَؤُلاَءِ عَنْكَ،فَإِنَّهُمْ وَإِنَّهُمْ،وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ،وَبِلاَلٌ،وَرَجُلاَنِ نَسِيتُ أَحَدُهُمَا،قَالَ:فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ،وَحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام] إِلَى قَوْلِهِ: {الظَّالِمِينَ} [الأنعام] . [3]
وهكذا رد اللّه للدعوة قيمها المجردة،وموازينها الدقيقة.ورد كيد الشيطان فيما أراد أن يدخل من تلك الثغرة.ثغرة الرغبة البشرية في استمالة كبراء قريش بإجابة رغبتهم في أن لا يحضر هؤلاء الفقراء مجلسهم مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وقيم الدعوة أهم من أولئك الكبراء،وما يتبع إسلامهم من إسلام الألوف معهم وتقوية الدعوة في نشأتها بهم - كما كان يتمنى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - واللّه أعلم بمصدر القوة الحقيقة،وهو الاستقامة التي لا ترعى هوى شخصيا ولا عرفا جاريا! ولعله مما يلحق بالمثلين المتقدمين ما حدث في أمر زينب بنت جحش ابنة عمة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقد زوجها من زيد بن حارثة - رضي اللّه عنه - وكان قد تبناه قبل النبوة،فكان يقال له:زيد بن محمد.فأراد اللّه أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة فقال تعالى: «ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ» وقال: «وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ» ..وكان زيد - رضي اللّه عنه - أحب الناس إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فزوجه من ابنة عمته زينب بنت جحش - رضي اللّه عنها - فلم تستقم بينهما الحياة ..وكانوا في الجاهلية يكرهون أن يتزوج المتبني مطلقة متبناه.فأراد اللّه سبحانه إبطال هذه العادة،كما أبطل نسبة الولد إلى
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [8 /319] وتفسير ابن أبي حاتم [12 /365]
(2) - تفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع [19 /213] وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد [2 /424] وأخرجه الديلمي في الفردوس برقم:6805 من حديث أنس مرفوعا ولا يصح
(3) - صحيح مسلم- المكنز [16 /41] (6394 ) وصحيح ابن حبان [14 /535] (6573)