«فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» ..وراء الزوجات وملك اليمين،ولا زيادة بطريقة من الطرق.فمن ابتغى وراء ذلك فقد عدا الدائرة المباحة،ووقع في الحرمات،واعتدى على الأعراض التي لم يستحلها بنكاح ولا بجهاد.وهنا تفسد النفس لشعورها بأنها ترعى في كلأ غير مباح،ويفسد البيت لأنه لا ضمان له ولا اطمئنان وتفسد الجماعة لأن ذئابها تنطلق فتنهش من هنا ومن هناك:وهذا كله هو الذي يتوقاه الإسلام.
«وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ» راعون لأماناتهم وعهدهم أفرادا وراعون لأماناتهم وعهدهم جماعة ..والأمانات كثيرة في عنق الفرد وفي عنق الجماعة وفي أولها أمانة الفطرة وقد فطرها اللّه مستقيمة متناسقة مع ناموس الوجود الذي هي منه وإليه شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته،بحكم إحساسها الداخلي بوحدة الناموس الذي يحكمها ويحكم الوجود،ووحدة الإرادة المختارة لهذا الناموس المدبرة لهذا الوجود ..والمؤمنون يرعون تلك الأمانة الكبرى فلا يدعون فطرتهم تنحرف عن استقامتها،فتظل قائمة بأمانتها شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته.ثم تأتي سائر الأمانات تبعا لتلك الأمانة الكبرى.
والعهد الأول هو عهد الفطرة كذلك.هو العهد الذي قطعه اللّه على فطرة البشر بالإيمان بوجوده وبتوحيده.وعلى هذا العهد الأول تقوم جميع العهود والمواثيق.فكل عهد يقطعه المؤمن يجعل اللّه شهيدا عليه فيه،ويرجع في الوفاء به إلى تقوى اللّه وخشيته.
والجماعة المسلمة مسؤولة عن أماناتها العامة،مسؤولة عن عهدها مع اللّه تعالى،وما يترتب على هذا العهد من تبعات.والنص يجمل التعبير ويدعه يشمل كل أمانة وكل عهد.ويصف المؤمنين بأنهم لأماناتهم وعهدهم راعون.فهي صفة دائمة لهم في كل حين.وما تستقيم حياة الجماعة إلا أن تؤدى فيها الأمانات وترعى فيها العهود ويطمئن كل من فيها إلى هذه القاعدة الأساسية للحياة المشتركة،الضرورية لتوفير الثقة والأمن والاطمئنان.
«وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ» ..فلا يفوّتونها كسلا،ولا يضيعونها إهمالا ولا يقصرون في
إقامتها كما ينبغي أن تقام إنما يؤدونها في أوقاتها كاملة الفرائض والسنن،مستوفية الأركان والآداب،حية يستغرق فيها القلب،وينفعل بها الوجدان.والصلاة صلة ما بين القلب والرب،فالذي لا يحافظ عليها لا ينتظر أن يحافظ على صلة ما بينه وبين الناس محافظة حقيقية مبعثها صدق الضمير ..ولقد بدأت صفات المؤمنين بالصلاة وختمت بالصلاة للدلالة على عظيم مكانتها في بناء الإيمان،بوصفها أكمل صورة من صور العبادة والتوجه إلى اللّه.
تلك الخصائص تحدد شخصية المؤمنين المكتوب لهم الفلاح.وهي خصائص ذات أثر حاسم في تحديد خصائص الجماعة المؤمنة ونوع الحياة التي تحياها.الحياة الفاضلة اللائقة بالإنسان الذي كرمه اللّه وأراد له التدرج في مدارج الكمال.ولم يرد له أن يحيا حياة الحيوان،يستمتع فيها ويأكل كما تأكل الأنعام.