ومن دلائل الإيمان في الأنفس ينتقل إلى دلائل الإيمان في الآفاق.مما يشهده الناس ويعرفونه،ثم يمرون عليه غافلين: « وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ،وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ.وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ.فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ،لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ،وَمِنْها تَأْكُلُونَ.وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ.وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها،وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ،وَمِنْها تَأْكُلُونَ.وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ» ..
إن السياق يمضي في استعراض هذه الدلائل،وهو يربط بينها جميعا.يربط بينها بوصفها من دلائل القدرة ويربط بينها كذلك بوصفها من دلائل التدبير فهي متناسقة في تكوينها،ممتناسقة في وظائفها،متناسقة في اتجاهها.كلها محكومة بناموس واحد وكلها تتعاون في وظائفها وكلها محسوب فيها لهذا الإنسان الذي كرمه اللّه حساب.
ومن ثم يربط بين هذه المشاهد الكونية وبين أطوار النشأة الإنسانية في سياق السورة.
«وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ» ..والطرائق هي الطبقات بعضها فوق بعض.أو وراء بعض.وقد يكون المقصود هنا سبع مدارات فلكية.
أو سبع مجموعات نجمية كالمجموعة الشمسية.أو سبع كتل سديمية.والسدم - كما يقول الفلكيون - هي التي تكون منها المجموعات النجمية ..وعلى أية حال فهي سبع خلائق فلكية فوق البشر - أي إن مستواها أعلى من مستوى الأرض في هذا الفضاء - خلقها اللّه بتدبير وحكمة،وحفظها بناموس ملحوظ: «وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ» ..
« وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ» ..
وهنا تتصل تلك الطرائق السبع بالأرض.فالماء نازل من السماء وله علاقة بتلك الأفلاك.فتكوين الكون على نظامه هذا،هو الذي يسمح بنزول الماء من السماء،ويسمح كذلك بإسكانه في الأرض.ونظرية أن المياه الجوفية ناشئة من المياه السطحية الآتية من المطر وأنها تتسرب إلى باطن الأرض فتحفظ هناك ..نظرية حديثة.فقد كان المظنون إلى وقت قريب أنه لا علاقة بين المياه الجوفية والمياه السطحية.
ولكن ها هو ذا القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة قبل ألف وثلاث مائة عام. «وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ» ..بحكمة وتدبير،لا أكثر فيغرق ويفسد ولا أقل فيكون الجدب والمحل ولا في غير أوانه فيذهب بددا بلا فائدة .. «فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ» ..وما أشبهه وهو مستكن في الأرض بماء النطفة وهو مستقر في الرحم. «فِي قَرارٍ مَكِينٍ» ..كلاهما مستقر هنالك بتدبير اللّه لتنشأ عنه الحياة ..وهذا من تنسيق المشاهد على طريقة القرآن في التصوير .. «وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ» ..فيغور في طبقات الأرض