فهرس الكتاب
أساس الدوام والامتداد ..هذا السبب هو الأهم في اعتقادي.وهو الجامع لكل الأسباب الفرعية الأخرى.على أن الإسلام لا يشدد في العقوبة هذا التشديد إلا بعد تحقيق الضمانات الوقائية المانعة من وقوع الفعل،ومن توقيع العقوبة إلا في الحالات الثابتة التي لا شبهة فيها.فالإسلام منهج حياة متكامل،لا يقوم على العقوبة إنما يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة.ثم يعاقب بعد ذلك من يدع الأخذ بهذه الأسباب الميسرة ويتمرغ في الوحل طائعا غير مضطر.
وفي هذه السورة نماذج من هذه الضمانات الوقائية الكثيرة ستأتي في موضعها من السياق ..
فإذا وقعت الجريمة بعد هذا كله فهو يدرأ الحد ما كان هناك مخرج منه فعَنْ عَائِشَةَ،قَالَتْ:ادْرَؤُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ،فَإِذَا وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا،فَخَلُّوا سَبِيلَهُ،فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِىء فِي الْعَفْوِ،خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ.» [1]
لذلك يطلب شهادة أربعة عدول يقرون برؤية الفعل.أو اعترافا لا شبهة في صحته.
وقد يظن أن العقوبة إذن وهمية لا تردع أحدا،لأنها غير قابلة للتطبيق.ولكن الإسلام - كما ذكرنا - لا يقيم بناءه على العقوبة،بل على الوقاية من الأسباب الدافعة إلى الجريمة وعلى تهذيب النفوس،وتطهير الضمائر وعلى الحساسية التي يثيرها في القلوب،فتتحرج من الإقدام على جريمة تقطع ما بين فاعلها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة.ولا يعاقب إلا المتبجحين بالجريمة،الذين يرتكبونها بطريقة فاضحة مستهترة فيراها الشهود.أو الذين يرغبون في التطهر بإقامة الحد عليهم كما وقع لما عز ولصاحبته الغامدية.وقد جاء كل منهما يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطهره بالحد،ويلح في ذلك،على الرغم من إعراض النبي مرارا حتى بلغ الإقرار أربع مرات.ولم يعد بد من إقامة الحد،لأنه بلغ إلى الرسول بصفة مستيقنة لا شبهة فيها.عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِى مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ » [2] .
فإذا وقع اليقين،وبلغ الأمر إلى الحاكم،فقد وجب الحد ولا هوادة،ولا رأفة في دين اللّه.فالرأفة بالزناة الجناة حينئذ هي قسوة على الجماعة،وعلى الآداب الإنسانية،وعلى الضمير البشري.وهي رأفة مصطنعة.فاللّه أرأف بعباده.وقد اختار لهم.وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم.واللّه أعلم بمصالح العباد،وأعرف بطبائعهم،فليس لمتشدق أن يتحدث عن قسوة العقوبة الظاهرية فهي أرأف مما ينتظر الجماعة التي يشيع فيها الزنا،وتفسد فيها الفطرة،وترتكس في الحمأة،وتنتكس إلى درك البهيمة الأولى ..
(1) - مصنف ابن أبي شيبة [14 /455] ( 29094) صحيح
(2) - سنن أبي داود - المكنز [4 /232] (4378) صحيح