فهرس الكتاب
وقد اختلف الفقهاء في هذا الاستثناء:هل يعود إلى العقوبة الأخيرة وحدها،فيرفع عنه وصف الفسق،ويظل مردود الشهادة؟ أم إن شهادته تقبل كذلك بالتوبة ..فذهب الأئمة مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته،وارتفع عنه حكم الفسق.وقال الإمام أبو حنيفة:إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة،فيرتفع الفسق بالتوبة،ويبقى مردود الشهادة.وقال الشعبي والضحاك:لا تقبل شهادته،وإن تاب،إلا أن يعترف على نفسه أنه قال البهتان فيما قذف فحينئذ تقبل شهادته.
وأنا أختار هذا الأخير لأنه يزيد على التوبة إعلان براءة المقذوف باعتراف مباشر من القاذف.وبذلك يمحي آخر أثر للقذف.ولا يقال:إنه إنما وقع الحد على القاذف لعدم كفاية الأدلة!
ولا يحيك في أي نفس ممن سمعوا الاتهام أنه ربما كان صحيحا ولكن القاذف لم يجد بقية الشهود ..بذلك يبرأ العرض المقذوف تماما،ويرد له اعتباره من الوجهة الشعورية بعد رده من الوجهة التشريعية فلا يبقى هنالك داع لإهدار اعتبار القاذف المحدود التائب المعترف بما كان من بهتان.
ذلك حكم القذف العام.ولكن استثني منه أن يقذف الرجل امرأته.فإن مطالبته بأن يأتي بأربعة شهداء فيه إرهاق له وإعنات.والمفروض ألا يقذف الرجل امرأته إلا صادقا لما في ذلك من التشهير بعرضه وشرفه وكرامة أبنائه.لذلك جعل لهذا النوع من القذف حكم خاص: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ،وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ.فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ،وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ.وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ،وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ.وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ» ..
وفي هذه النصوص تيسير على الأزواج،يناسب دقة الحالة وحرج الموقف.ذلك حين يطلع الزوج على فعلة زوجته وليس له من شاهد إلا نفسه.فعندئذ يحلف أربع مرات باللّه إنه لصادق في دعواه عليها بالزنا،ويحلف يمينا خامسة أن لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين.وتسمى هذه شهادات لأنه الشاهد الوحيد.فإذا فعل أعطاها قدر مهرها،وطلقت منه طلقة بائنة،وحق عليها حد الزنا وهو الرجم ..ذلك إلا أن ترغب في درء الحد عنها فإنها عندئذ تحلف باللّه أربع مرات أنه كاذب عليها فيما رماها به وتحلف يمينا خامسة بأن غضب اللّه عليها إن كان صادقا وهي كاذبة ..بذلك يدرأ عنها الحد،وتبين من زوجها بالملاعنة ولا ينسب ولدها - إن كانت حاملا - إليه بل إليها.ولا يقذف الولد ومن يقذفه يحد ..
وقد عقب على هذا التخفيف والتيسير،ومراعاة الأحوال والظروف بقوله: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ،وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ» ..ولم يبين ما الذي كان يكون لولا فضل اللّه ورحمته بمثل هذه التيسيرات،وبالتوبة بعد مقارفة الذنوب ..لم يبينه ليتركه مجملا مرهوبا،يتقيه المتقون.والنص يوحي بأنه شر عظيم.